دمشق العتيدة / للإعلامية والاديبة والباحثة السورية / د.عفاف الشب
دمشـق العتيدة قصيدة سخيّة. وسوق الحميدية
د.عفاف يحيى الشب
قاسيون يا قمة الحنين، يا تاريخاً مكتوباً بحروف من بهاء مكين، يا ملتقى الأحبة والوجد بقلوبهم غير دفين، يا وجه القمر البديع عندما يتربع عرش السماء لينساح إليك بكل بهاء، ويلقي إليك بقناديل شهباء بكل شغف مكين وروائح الياسمين والدراق والتفاح يمنحونك عطراً به لا يستهان، والنسيمات العليلات تنقله إلى كل الأحياء والأزقة والبيوت، ومعها حكايات من عشق ما عرفة مكان كما عرفته يا قاسيون يا حاضن الشام.
ومن قمتك المنعاء إلى سفوحك السمحاء يكبر مشوار العطاء، وتبدأ الإعجازات تتدفق على الناس كهالات من نجوم تجمعت ذات يوم لتزف إلى التاريخ أضخم الحكايات عن دمشق الفيحاء، عن الدرة المنعاء، عن المدينة الفتية الخيلاء، عن امتدادها كسيول من أحلام لتصل بك إلى كل مكان ليستوقفك ولو كنت على عجل كي تمتع الروح بعبقات الخلود وأغنية بكتب اسمك يا بلادي «عالشمس اللي ما بتغيب» تشدك من يديك كي تمضي بك إلى أروع ما في الوجود من نمنمات سحرية لها وزن وثقل واعتبار، لها سحر يفوق الخيال وفي كل مكان يطيب لك المكوث ويحلو المشوار.
ومشوارنا اليوم مكحل بالشمس، مطرز بالحب يختال كعروس صغيرة وهي في ثياب عرسها النقية أميرة في موكب جليل ومهيب وجميل. مشوارنا اليوم إلى سوق دمشقي عتيق نظيف وبهي شهي وهني وتاريخي، فيه الحضارة عنوان والمجد عنفوان ورسالته أكبر برهان على مهارة شعبنا السوري وبراعته التي لم يجد بها الزمان على أحد ممن يتظاهرون بأنهم من أرحام الحضارة ولدوا، لكن شعبنا منذ القديم والإبداع في شرايينه يسيل، والفن شرحه طويل، ولا يمكننا حيال ذاك السوق الشهير الكبير الفخيم العظيم الأثري الثري، إلا أن نقول إننا أمام إحدى معجزات التاريخ، وإن «تاج محل» والأهرامات وغيرها من منجزات رغم عظمتها هي إما قبور ومقامات، وإما حجارة صامتات، أما سوقنا فهو الحياة، وهو تاج الفنون، هو سيمفونية موسيقية لم يعزفها يوماً باخ ولا بيتهوفن، ولوحة فريدة لم يبدع مثلها بيكاسو، ولا ليوناردو دافنشي، لأن سوقنا الشهير الذي سوف أتحدث اليوم عنه قليلاً هو روح وحركة وحياة، هو خليط من منجزات، هو العظمة، هو الفخار، هو لقاء بين التجار وأصحاب المال مع رؤوس عامرة بالخيال المخصبة بمياه عين الفيجة والمخضبة بنكهات ثمار الغوطة وصباريات المزّه تسكب ماءها الحلو اللذيذ المذاق على كل ما تراه، ليسقط كل منا خلال زيارته في إدمان الجمال وإدمان تلمس المنجزات لترتوي عروقه ببديع المعروضات، فيخرج منه ورأسه عامر بالزهو بالتصميم على أن يعود إلى زيارته مرات ومرات وتنهمر الدموع حنيناً إلى مالنا من أصالة لن تضيع ولو جن العالم وطار صواب الباغين.
اليوم زيارتنا ستكون إلى أعرق الأسواق الثرية، إلى أبهى المهرجانات والكرنفالات الشهية التي يحتضنها سوق عريق وسط دمشق الزمردية ألا وهو سوق الحميدية. يحدثنا التاريخ عن هذا السوق الفخيم الذي يستضيف كل ما يبتغيه الإنسان من أشياء يحتاجها ويهواها في كل زمان ومكان فيقول: إن سوق الحميدية بشكله الحالي يعد من أشهر أسواق الشرق، وصفه المؤرخون بأنه درة الأسواق وقمر المتاحف لأجمل البضائع وأكثرها جذباً للمواطنين والسياح، وهو سوق طويل متشعب يحتل مساحة من المكان يقطفها من شارع النصر وشارع الثورة حيث قلعة دمشق الشهيرة، ليسير بك مأخوذاً مذهولاً لأكثر من ميلين من الأمتار، تصطف على جانبيه بكل التحام وتعاضد وحنان محلات تجارية فخمة على ارتفاع طابقين، بينما يغطى أعلاه سقف حديدي ذو ثقوب، تتسلل منه الشمس للمشاركة في توفير الإضاءة لهذه التحفة الخيالية، أما أرضه فينبسط عليها الحجر العتيق كأسطورة ثبات عميق.
هذا السوق السحري الذي يجلب الناس من كل بلد وقطر تتفرع عنه أسواق كثيرة بطريقة عجيبة تحتاج ساحراً أصيلاً ليفك سر تلك التصاميم العديدة، أما تلك الأسواق فهي سوق الذهب الغني والمبهر، وسوق العصرونية المزهر، وسوق الحرير الذي يسلب عقول النساء، فينطلقن إليه لتجهيز بناتهن في حفلات الأعراس، ومن هنا تصدح في أذنيك عبارة «تفضلي يا ست» بإيقاع رنان، إضافة إلى سوق القباقبية حيث تظهر هنا براعة السوريين في الصناعات الخشبية والجلدية لإنتاج النعال الخفيفة التي لا يمكن لأجنبي زيارة دمشق وسوقها الشهير إلا يشتري ما يشتهيه من تلك المعروضات الثمينة الجميلة، إضافة إلى سوق الخياطين والسروجية، ومن هذا السوق الرائع تنفذ إلى سوق مدحت باشا والشارع المستقيم، كما تصل إلى الحريقة حيث ترى نفسك هناك في سوق له قيمة واعتبار.
لا يقف هذا السوق الجليل هنا، بل يأخذك إلى منطقة النوفرة الدمشقية ساحرة الشاب، حيث الشاي المعتق والنراجيل الزكية التي يعشقونها وكأنها صبية حسناء دمشقية، بينما ينتهي في آخره باستقبال حاشد من أسراب الحمام الوديع الذي تسكن سكينة الإنسان إلى الإيمان في ساحات أكبر مساجد الشرق وأبهاها وأعرقها فخامة ألا وهو المسجد الأموي الكبير.
في قلب دمشق القديمة تنبض الحياة، وتغني النسائم ابتهاجاً بمهرجانات يومية من حشود الزوار لشراء ما يعرض في معارضها التجارية من نحاسيات صفراء تسطع كأضواء الكرنفالات وهي تمثل أجمل الأشكال واللوحات المنقوشة بأبدع الزخرفات، ولن يتوقف السحر هنا، فأنت أمام ألف ليلة وليلة من جمال وإبهار تتجلى في متاجر العرائس من أثواب زفاف، إلى كل مستلزمات العروس من عطور تتطيب بها باحتفالات عرسها مع المكياج والاكسسوارات الخاطفة للأنظار.
انتظرْ قليلاً، ولا ترحل أيها الزائر الكريم، ولتكن محفظتك مملوءة بالليرات والنقود، وتقدم بالسوق العظيم فإنك ستنفقها لا محال، حيث تكتظ بعض المحلات بالتحف الزجاجية التي اشتهرت بها دمشق الحضارية وبروائع من الفيروزيات تغريك بشرائها، فأنت في سوق الحميدية الذي يضارب في شهرته كل الأسواق العالمية حتى سوق خان الخليلي المصري الذي استوحى منها نجيب محفوظ مشاعل رواياته المصرية، وأما سوقنا الفخيم العظيم القديم الجديد العريق الأصيل، فإنْ زرته فلابد أنك واقع في إغواء أطيب بوظة عربية في العالم حيث محل بكداش الشهير، وزبادي البوظة المعجونة بالفستق الحلبي التي استجرت إليها الكثير من الملوك والمشاهير.
ويقولون ويتساءلون: لماذا عيون العالم جاحظة تسيل اشتهاء على سوريتنا وعلى دمشقنا؟، وأقول: إن سوق الحميدية وحده كفيل أن يتحدى بشهرته ومعروضاته الفاخرة المتنوعة الملونة كأطياف قوس قزح المتمازجة من عبق الماضي وروح الحداثة، وبكل تصميماته من ملابس وتحف فنية ومفارش سرائر حريرية وقطنيات زاهية هنية، وأثريات عتيقة تسلب من أشهر النحاتين مهاراتهم الفنية لينافس بثرواته وجماله وحميميته، وهدير أصوات مختلفة اللهجات تصبح أروع أوركسترا دمشقية لها رونقها الخاص، أجل إنه يتحدى أضخم أسواق باريس ولندن ومنهاتن الأمريكية بما فيها الشارع الخطير وول ستريت.
اليوم أرى حروفي تتسارع وتجري وكأنها في ماراثون من الكلمات، أنا أعرف أنها جادة ومجاهدة لتؤرخ لهذا السوق المفخرة الدمشقية حكاياه الجوهرية، والذي يجب أن يصنف كأكبر ملحمة شعبية في المعجزات الأممية، وليكن عشقنا وهوانا مكتملاً يجب أن نقدس منابع عظمتنا، وأن نكرم بكل وسيلة إعلامية مؤشرات حضارتنا حتى لا يعتقد الآخرون أننا شعوب بدائية نرتضي لأنفسنا بما يخططون لنا، ولنعلمهم أننا زمنا كنا الأعلون، شاؤوا أم أبوا، وكانوا هم في غياهب الظلام غارقين، وليدرك شعبنا أن في بلاده ما يشتهيه الآخرون وما يستطيع جلب سياح العالم إليها ليمتعوا الروح والبصر بما لدينا من مخزونات ذهبية لها بريق يخطف الأبصار، وهنا نستطيع فتح نوافذ اقتصادية تساعد على تخزين المال لتحقيق نهضة تراكمية تنتقل من صناعاتنا الشرقية إلى أسواقنا الثرية، ومنها لآثارنا الجميلة ومعهم تنهض عصرنتنا الحديثة التي مسحت غبار تاريخ لم يستطيع إذلالنا يوماً، ومن ثم لننطلق معاً كل في مجال اختصاصه واهتمامه لتجديد هيبتنا، وإسقاط أسمى المعاني الوضاءة وأنقاها على ملامح تطورنا الحقيقية...
دكتوره عفاف الشب

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.