طوفان الأقصى وفلسطين والأمن الإقليمي والدولي
طوفان الأقصى وفلسطين والأمن الإقليمي والدولي
من كسر قواعد الاشتباك إلى امتداد الإسناد اليمني وإعادة رسم موازين المنطقة
بقلم: الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية / الدكتورة بدور ثابت قائد الديلمي
حين تحولت فلسطين من قضية مؤجلة إلى سؤالٍ دولي مفتوح
لم يكن السابع من أكتوبر 2023 حدثًا عابرًا في تاريخ الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، ولا مجرد جولة جديدة من جولات المواجهة العسكرية؛ بل كان نقطة تحوّل كشفت، بصورة غير مسبوقة، هشاشة منظومة الأمن الإقليمي والدولي التي تشكلت على مدى عقود حول قاعدة واحدة: إدارة القضية الفلسطينية بدل حلّها.
فبعد عقود من الاحتلال والاستيطان والحصار والاعتقالات والاقتحامات، وبعد سنوات طويلة من المفاوضات التي لم توقف تمدد الاحتلال ولم تُنهِ الاستيطان، جاءت عملية «طوفان الأقصى» لتضع المجتمع الدولي أمام السؤال الذي ظل مؤجلًا: إلى متى يمكن أن يستمر تجاهل جذور الصراع مع الاكتفاء بإدارة نتائجه؟
وبعيدًا عن المواقف المتباينة من أسلوب العملية وتداعياتها، فإن الحقيقة السياسية الأهم هي أن السابع من أكتوبر أسقط وهم القدرة على إبقاء القضية الفلسطينية خارج أولويات الأمن الإقليمي والدولي.
لقد أثبتت السنوات التالية أن ما حدث لم يبقَ محصورًا في غزة؛ بل امتد أثره إلى البحر الأحمر وباب المندب ولبنان والعراق وإيران، ثم إلى أمن الطاقة والممرات البحرية والأسواق العالمية، وصولًا إلى إعادة تعريف مفهوم الردع في المنطقة.
أوسلو.. ثلاثة عقود من إدارة الصراع بدل إنهائه
منذ اتفاق أوسلو عام 1993، جرى تقديم المسار التفاوضي باعتباره طريقًا نحو حل القضية الفلسطينية، لكن العقود الثلاثة التالية شهدت استمرار الاستيطان وتآكل الأرض الفلسطينية وتزايد الاعتقالات والاقتحامات وتراجع فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية:
كلما طال أمد «عملية السلام»، اتسعت الوقائع التي تجعل السلام أكثر صعوبة.
فالمشكلة لم تكن في غياب المبادرات والبيانات والقمم والمؤتمرات، بل في غياب آلية دولية قادرة على إلزام الاحتلال بإنهاء الاحتلال نفسه.
وبذلك تحولت الدبلوماسية، في كثير من الأحيان، من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى وسيلة لإدارة الأزمة وتأجيل انفجارها.
وهذا ما جعل «طوفان الأقصى» ليس فقط انفجارًا عسكريًا، بل انفجارًا سياسيًا في بنية كاملة من الحسابات الإقليمية والدولية.
من غزة إلى البحر الأحمر.. دخول اليمن على خط المعادلة
هنا تبدأ واحدة من أهم حلقات التحول التي كثيرًا ما تُقرأ منفصلة عن سياقها.
فاليمن لم يتعامل مع حرب غزة بوصفها حدثًا فلسطينيًا بعيدًا عن أمنه الإقليمي، بل أعلن انتقاله إلى مسار إسناد عسكري وسياسي لفلسطين، واستهدف سفنًا قال إنها مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر وباب المندب، كما أطلق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل.
وتشير تقارير أممية إلى أن الهجمات البحرية اليمنية ارتبطت مباشرة بالحرب على غزة، وأن التصعيد توسع في مارس 2025 بعد تهديدات بعودة الهجمات على إسرائيل إذا لم تُفتح المعابر وتُستأنف المساعدات إلى غزة.
وبذلك تحولت الجغرافيا اليمنية من هامش في الحسابات الإقليمية إلى واحدة من أهم نقاط الضغط في المعادلة.
فباب المندب ليس مجرد ممر مائي يمني؛ إنه أحد الشرايين الرئيسية للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب فيه ينعكس على سلاسل الإمداد وأسعار النقل والتأمين والطاقة.
ومن هنا يمكن فهم سبب انتقال قضية فلسطين، للمرة الأولى بهذا الحجم، من حدود غزة إلى قلب الحسابات الاقتصادية والأمنية العالمية.
الإسناد اليمني.. من رسالة سياسية إلى ورقة تأثير إقليمي
الأهم في التجربة اليمنية ليس فقط عدد العمليات أو طبيعة الأهداف، وإنما التحول في مفهوم الإسناد نفسه.
فالإسناد بدأ باعتباره موقفًا سياسيًا وعسكريًا مرتبطًا بالحرب على غزة، ثم تحول إلى ورقة ضغط على حركة الملاحة المرتبطة بإسرائيل، وأصبح البحر الأحمر جزءًا من معادلة الحرب.
وقد أقرت تقارير دولية بأن الهجمات اليمنية منذ أواخر 2023 أثرت بصورة ملموسة على حركة الملاحة في البحر الأحمر، بينما ردت الولايات المتحدة عسكريًا في اليمن خلال 2025، قبل التوصل إلى تفاهم بوساطة عُمانية أوقف جزءًا من التصعيد. ثم عادت الهجمات على إسرائيل في مراحل لاحقة مع تجدد الصراع الإقليمي.
وهنا تكمن النقطة الاستقصائية الأهم:
لم تعد فلسطين وحدها هي التي تؤثر في الأمن الإقليمي؛ بل أصبح الأمن الإقليمي نفسه متأثرًا بمآلات القضية الفلسطينية.
اليمن يوسع دائرة الاشتباك.. وفلسطين تتحول إلى معيار للردع
مع مرور الوقت، لم يعد السؤال: هل يستطيع الاحتلال مواصلة الحرب في غزة؟
بل أصبح السؤال الأوسع:
كم جبهة يستطيع الاحتلال وحلفاؤه تحملها إذا بقيت القضية الفلسطينية بلا حل؟
فالردود اليمنية، والمواجهات في البحر الأحمر، والتوترات في المنطقة، كلها أظهرت أن الجغرافيا الفلسطينية لا يمكن فصلها عن الجغرافيا الإقليمية.
وفي يونيو 2026، عادت التهديدات اليمنية للملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر إلى الواجهة، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد توترًا واسعًا حول إيران ومضيق هرمز.
وهكذا أخذ الإسناد اليمني شكلًا متحركًا بحسب تطورات الحرب الإقليمية، بدل أن يبقى محصورًا في مرحلة زمنية واحدة.
السعودية.. من الحرب على اليمن إلى معركة باب المندب
وهنا تبرز السعودية بوصفها أحد أهم الأطراف التي يجب إخضاع دورها للتحليل، لا للشعارات.
فالرياض ليست، وفق موقفها الرسمي المعلن، دولة أعلنت دعمها للحرب الإسرائيلية على غزة؛ بل أكدت في بيانات رسمية رفض السيطرة الإسرائيلية على غزة، كما أعلنت في مايو 2026 أن التطبيع مع إسرائيل مشروط بمسار واضح نحو قيام دولة فلسطينية مستقلة.
لكن ذلك لا يلغي سؤالًا آخر أكثر تعقيدًا:
ما موقع السعودية في منظومة الأمن الإقليمي التي تتقاطع مصالحها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وما أثر حربها الطويلة في اليمن على معادلة البحر الأحمر؟
منذ تدخل التحالف الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015، أصبحت الرياض لاعبًا عسكريًا رئيسيًا في المشهد اليمني. وبعد سنوات من الهدوء النسبي، عادت المواجهة في 2026 إلى مستويات عالية، وتحولت منطقة باب المندب والساحل الغربي إلى مركز للصراع.
وفي أكتوبر 2026، دعمت السعودية هجومًا واسعًا للقوات اليمنية الموالية للحكومة لاستعادة مناطق استراتيجية قرب باب المندب، مع استخدام القوة الجوية والدعم الاستخباري.
وهنا تتغير المعادلة:
فإذا كانت إسرائيل تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجالًا حيويًا لأمنها وملاحتها، وإذا كانت الولايات المتحدة تنظر إلى باب المندب بوصفه ممرًا استراتيجيًا للتجارة والطاقة، فإن الصراع على الساحل الغربي لليمن لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع على هندسة الأمن الإقليمي.
لماذا باب المندب مهم إلى هذه الدرجة؟
لأن من يملك القدرة على التأثير في باب المندب لا يمتلك ورقة يمنية فقط؛ بل يمتلك ورقة تمتد إلى الاقتصاد العالمي.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن السعودية نفسها أصبحت أكثر اعتمادًا على طرق التصدير عبر البحر الأحمر بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع أهمية خط الأنابيب السعودي شرق ـ غرب ونقل كميات كبيرة من النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وبالتالي فإن المعركة على باب المندب لم تعد مسألة يمنية داخلية فقط.
إنها معركة على:
الطاقة، والموانئ، والتجارة، والملاحة، والتأمين، والأمن الإقليمي، وموازين القوة.
ومن هنا يمكن تفسير شدة التحرك السعودي في الأسابيع الأخيرة.
المفارقة السعودية.. أمن إسرائيل أم أمن المملكة؟
المفارقة أن الرياض تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.
فمن جهة، تؤكد المملكة رسميًا دعم قيام دولة فلسطينية وترفض التطبيع دون مسار واضح للدولة الفلسطينية.
ومن جهة أخرى، فإنها تخوض في اليمن مواجهة عسكرية متجددة مع قوة تعتبر القضية الفلسطينية أحد مرتكزات خطابها السياسي والعسكري، في وقت أصبح فيه باب المندب إحدى أهم ساحات الصراع الإقليمي.
وهذا يطرح سؤالًا استقصائيًا لا يمكن تجاوزه:
هل تستطيع أي دولة إقليمية أن تفصل أمنها عن مستقبل القضية الفلسطينية بعد أن أصبحت غزة مرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز وأمن الطاقة؟
الوقائع تقول إن الفصل أصبح أكثر صعوبة.
ففي 7 أكتوبر 2026، تصاعدت الهجمات المتبادلة بين القوات السعودية والقوات اليمنية التابعة للطرفين المتصارعين، مع استهداف مطارات ومواقع داخل السعودية، بالتزامن مع عمليات عسكرية في الساحل الغربي اليمني.
وهكذا عادت اليمن إلى قلب المشهد الأمني الإقليمي، ولكن هذه المرة في لحظة دولية أكثر هشاشة.
من طوفان الأقصى إلى «طوفان الجغرافيا»
إذا كان «طوفان الأقصى»
قد كسر قواعد الاشتباك داخل فلسطين، فإن تداعياته صنعت ما يمكن وصفه بـ «طوفان الجغرافيا»؛ أي انتقال الصراع من مساحة جغرافية محدودة إلى شبكة واسعة من الممرات والمواقع والمصالح الاستراتيجية.
غزة في قلب المشهد.
والبحر الأحمر امتداد له.
وباب المندب عقدته البحرية.
ومضيق هرمز عقدته النفطية.
واليمن أحد أهم مفاتيح هذه المعادلة.
وهذا هو السبب في أن الحرب على غزة لم تعد قضية إنسانية وسياسية فلسطينية فقط، بل تحولت إلى قضية أمن إقليمي ودولي بكل معنى الكلمة.
ثلاث سنوات.. ماذا تغير؟
بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر، يمكن رصد خمسة تحولات رئيسية:
أولًا:
لم يعد ممكنًا إبعاد القضية الفلسطينية عن جدول الأمن الدولي.
ثانيًا:
تراجعت قدرة إسرائيل على تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر وحده على فرض قواعد الاشتباك.
ثالثًا:
أثبت البحر الأحمر أن الصراع الفلسطيني يمكن أن ينعكس مباشرة على التجارة والطاقة العالمية.
رابعًا:
أصبح الدور اليمني عاملًا حاضرًا في حسابات إسرائيل والولايات المتحدة والدول المطلة على البحر الأحمر.
خامسًا:
دخلت السعودية مجددًا في مواجهة عسكرية مباشرة داخل اليمن، في لحظة أصبح فيها باب المندب جزءًا من صراع دولي أوسع على الممرات البحرية والطاقة.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا
لم تعد القضية اليوم معرفة من انتصر في جولة عسكرية أو من خسر موقعًا جغرافيًا.
السؤال الأكبر هو:
هل تستطيع المنظومة الإقليمية والدولية العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر؟
الجواب، وفق مسار الأحداث، يبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
فالقضية الفلسطينية عادت إلى مركز النقاش الدولي، والحرب كشفت هشاشة ترتيبات الأمن الإقليمي، واليمن أثبت أن موقعه الجغرافي يمكن أن يتحول إلى عامل تأثير يتجاوز حدوده، بينما باتت السعودية تواجه معادلة أمنية معقدة بين حماية مصالحها الاقتصادية وممراتها البحرية من جهة، وإدارة صراعها المتجدد في اليمن من جهة أخرى.
وفي المقابل، لا تستطيع إسرائيل أن تتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفًا أمنيًا مغلقًا، ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تدير المنطقة بالطريقة ذاتها التي أدارتها بها خلال العقود الماضية.
لقد تغيرت قواعد اللعبة.
ولم يعد من الممكن فصل غزة عن البحر الأحمر، ولا البحر الأحمر عن باب المندب، ولا باب المندب عن أمن الطاقة، ولا أمن الطاقة عن موازين القوى الإقليمية والدولية.
وهنا تحديدًا تتجلى أهمية الإسناد اليمني: ليس فقط باعتباره موقفًا تجاه فلسطين، وإنما باعتباره عاملًا كشف أن الموقع الجغرافي يمكن أن يتحول، عندما تتغير موازين القوة، إلى عنصر مؤثر في الحسابات الإقليمية والدولية.
أما السعودية، فإن تصعيدها العسكري الحالي في اليمن، المدعوم بتنسيق استخباري ودولي، يعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة:
هل تستطيع الرياض فرض معادلة أمنية مستقرة في باب المندب بالقوة، بينما تبقى القضية الفلسطينية دون تسوية عادلة، ويظل اليمن نفسه ساحة صراع مفتوحة؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة.
لكن المؤكد أن ما بعد السابع من أكتوبر ليس كما قبله؛ وأن «طوفان الأقصى» لم يبقَ داخل حدود فلسطين، بل امتد أثره إلى خرائط الأمن الإقليمي، وأعاد اليمن إلى واجهة معادلات القوة، وفتح من جديد ملفًا ظل المجتمع الدولي يؤجله لعقود: لا استقرار حقيقي في المنطقة من دون معالجة جذور القضية الفلسطينية.

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.