أبواق مأجورة تتحدث باسم الدولة السعودية.. أين صوت العقل والحوار السياسي؟
أبواق مأجورة تتحدث باسم الدولة السعودية.. أين صوت العقل والحوار السياسي؟
بقلم: الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية والإقليمية د. بدور ثابت قائد الديلمي
من المثير للاستغراب أن يتصدر المشهد الإعلامي أشخاص لا يمتلكون، في خطابهم المتداول، ما يكفي من المعرفة السياسية لفهم تعقيدات الصراع اليمني، ومع ذلك يتحدثون بثقة مفرطة، ويوزعون الاتهامات، ويهددون الجمهورية اليمنية، وينصّبون أنفسهم حراسًا للوطنية وممثلين لمواقف الدولة السعودية!
إن المشكلة ليست في اختلاف الآراء، ولا في كون المتحدث رجلًا أو امرأة، ولا في المظهر الشخصي، بل في غياب المعرفة السياسية، وضعف الحجة، وتحويل النقاش العام إلى استعراض للتهديدات والمزايدات والتخوين. فالقضايا المصيرية لا تُناقش بالصراخ، وسيادة الدول لا تُختزل في منشورات انفعالية، والصراعات الإقليمية لا تُفهم عبر خطابات تفتقر إلى التحليل والوقائع.
والأخطر أن بعض هذه الأصوات تبدو وكأنها تؤدي أدوارًا دعائية تخدم اتجاهات سياسية محددة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول دوافعها، ومصادر تمويلها، وما إذا كانت تتحدث انطلاقًا من قناعاتها الشخصية أم ضمن حملات إعلامية منظمة. لكن إثبات تلقي الأموال أو وجود توجيه سياسي مباشر يحتاج إلى أدلة، ولا يكفي فيه مجرد الاختلاف مع أصحاب هذه الأصوات.
حين يتحول الاستعراض إلى بديل عن السياسة
ومن بين الظواهر التي تستحق النقد، ظهور بعض الفتيات السعوديات في منصات التواصل بخطاب يقدَّم باعتباره تعبيرًا عن موقف الدولة السعودية، مع التركيز على الاستفزاز والتشهير والمزايدات بدلًا من تقديم حجج سياسية واضحة.
ولا يتعلق النقد هنا بجنسية المتحدثات أو مظهرهن أو خياراتهن الشخصية؛ فهذه أمور لا تحدد قيمة الرأي السياسي. إنما يتعلق بالسؤال الجوهري: ما المؤهلات السياسية التي يستند إليها هذا الخطاب؟ وما الأدلة التي يقدمها؟ وهل يعبّر فعلًا عن موقف رسمي، أم أنه مجرد رأي فردي يُقدَّم للجمهور وكأنه موقف الدولة؟
فليس كل من امتلك منصة إعلامية أصبح محللًا سياسيًا، وليس كل من رفع صوته أصبح ممثلًا لدولة، وليس كل من هاجم اليمن امتلك فهمًا لتاريخه أو تعقيدات الصراع معه.
إن اختزال السياسة في الاستفزاز، وتقديم المظهر والاستعراض على المعرفة والحجة، لا يخدم أي نقاش جاد، بل يضعف مصداقية الخطاب الذي يفترض أن يدافع عن مصالح الدول ويشرح مواقفها.
أين العقلاء وأصحاب الحجة؟
إن السؤال الذي يفرض نفسه على المشهد السعودي هو: أين الأصوات السياسية والإعلامية الرصينة القادرة على مناقشة الملف اليمني بلغة المصالح والوقائع والقانون، بدلًا من ترك المنابر للأصوات التي تعتمد على التهديد والتخوين؟
فالعلاقات بين الدول لا تُدار بالمزايدات، والخلافات لا تُحل بالتشهير، واحترام الدولة لا يتحقق بتحويل كل منتقد إلى خصم، ولا بإطلاق حملات إعلامية تستبدل الحجة بالضجيج.
إن اليمن ليس ساحة لاستعراض الولاءات، والجمهورية اليمنية ليست موضوعًا يحق لأي شخص أن يهددها لمجرد أنه يريد لفت الأنظار أو كسب التأييد. ومن أراد مناقشة اليمن، فليتحدث عن التاريخ والسيادة والاتفاقيات والمصالح المتبادلة، وليقدم حججه بوضوح، بعيدًا عن الإهانات والاستعلاء.
الخلاصة
إن أخطر ما يصيب الخطاب السياسي ليس وجود أصوات معارضة أو مؤيدة، بل أن تتراجع قيمة المعرفة أمام الاستعراض، وأن يُقدَّم التهديد باعتباره قوة، وأن يُخلط بين رأي الأفراد والمواقف الرسمية للدول.
وإذا كانت هناك أصوات تتلقى تمويلًا أو توجيهًا سياسيًا، فإن كشف ذلك يجب أن يستند إلى أدلة موثقة، لا إلى التخمين. أما تقييم الخطاب، فيبدأ من مضمونه، ومدى احترامه للحقائق، وقدرته على تقديم حجة سياسية متماسكة.
فالدول لا تُقاس بضجيج المتحدثين باسمها، واليمن لا تُهدَّد بمنشورات عابرة، والسياسة أكبر من أن تُختزل في استعراضات إعلامية تفتقر إلى عمق المعرفة ورصانة الحوار.
والسؤال الذي يبقى مطروحًا: هل المطلوب نقاش سياسي جاد يحترم عقول الشعوب، أم صناعة ضجيج إعلامي يحجب القضايا الحقيقية ويستبدل الحوار بالمزايدات؟

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.