الدَّهق والدّهاليز للكاتبة خوله ياسن

الدَّهق والدّهاليز للكاتبة خوله ياسن
الدَّهق والدّهاليز للكاتبة خوله ياسن



الدَّهق والدّهاليز
..................
تحت شجر اللوز بين ظلال الياسمين ، تجلس ريم كعادتها تقرأ رسائل حبيبها القديمة ، تطرق أبواب الذكريات ، تمتطي فرس مخيلتها وتذهب مع سنابل الشوق على أجنحة العشق لتلتقي بتوأم روحها حتى لو للحظات وهمية ، فتدخل مرآة الوقت المفعم بالتمني والرجاء وتراه في وجه القمر وعلى سطح الماء يراقصها على التلال ويرافقها إلى كوخ عتيق كانا يتردّدا إليه في الصغر ، كانت تسكنه عجوز وكلما كانت تراهم تطعمهم الحلوة والخبز الساخن ثم تسقيهم من حليب الغنم . هذه الذكريات التي تذهب ريم في ركبها تبعدها عن الحاضر لتعتكف بمفردها بعيدة عن الناس حتى لا تشعر بالدَّهق المستمر عليها من أوضاع البلاد المتدهورة وهروب كل الشباب من الوطن عبر دهاليز المجازفات ، وكم من خبر وصل للأهالي من بحر الموت ، هربوا لينجوا من القتل المستمر ووالإنفجارات العشوائية حتى لقيتهم المنية في أحضان الغرق .
منذ أن غادر زكريا الوطن واعدا أهله وحبيبته بالعودة يوما ما وحالة ريم تزداد سوءا على سوء ، نحل جسدها الرقيق وصغر وجهها الجميل حتى أصبح يميل للإصفرار من قلة الغذاء.
آخر رسالة وصلت ريم من زكريا في منفاه أبكتها كثيرا ، وامتزجت المشاعر بالرغبة في لقاءه والخوف الرهيب مما هو آت .
وصف زكريا لحبيبته أحواله في الغربة عبر سطور قليلة .
أخبرها بأنه لو عاد به الزمن إلى الوراء لما اختار الذهاب واللجوء إلى عالم لا يعرف عنه شيء والمفاجآت هناك لا تستأذن البيوت ولكنها تخترق الجدران والسقوف لتعبر إلى أنفاق الحنايا وتسلب الراحة والطمئنينة من الناس.
ريم لا تعرف ما يجري في الغربة ولا يمكن أن يتصورها عقلها البريئ انها باردة الأطوار كفصل الشتاء وجافة الأحاسيس كرمال الصحراء ولكنها تستمع لزكريا بقلبها ووجدانها المقيد بأصفاد الحيرة ، وسلاسل الجوع إلى معرفة المستقبل وما يخفي لها وراء سدائل الغيب .
بعد مُضي وقت طويل بينما هي جالسة على أعتاب السهو في الخلاء
تتخيل الوقت الجميل الذي سُرق منها وفرق بينها وبين حبيبها اعتدت على وجنتها الجميلة الناعمة دمعة هاربة من بين قضبان الأهداب أعادتها إلى واقعها الذي يعتريه حزن خريفي ومعضلة كأرض قاحلة فارقها سكانها لجفاف سهولها ووديانها ، من شغفها لسماع صوت زكريا حاولت مرات عديدة أن تقرع جرس هاتفه المحمول لكنها لم تستطيع لإنقطاع التيار الكهربائي المتواصل ، نفضت التراب عن مؤخرة ثوبها وراحت أقدامها تسير وتمشط الطريق نحو البيت .
عندما وصلت وجدت المنزل مضيئ فأسرعت لتشحن هاتفها المحمول لتسهر مع حبيبها فاتصلت به وبدأ يخبرها عن مأساته وعن غبائه في اتخاذ قرار الرحيل من بلاده وأنه يعيش في بلد يشبه الذئب المشبع بعد افتراس طويل ليصبح في وداعة وألفة القط ، أحيانا يرى سكانه طيبون يمدون يد العون وأحيانا يسود وجوههم غبار الغضب من تواجد اللاجئين على أرضهم ، يشبهون السماء الممطرة المشمسة في نفس الوقت وغيومها المتلونة بين السواد والبياض لتجتمع كل الفصول في آن واحد .
أحبطت معنوياتها وتشنجت أناملها حتى عجزت عن حمل هاتفها بين كفيها الزرقوان من برودة الساعات المتأخرة في الليل الساكن بين سواعد الصمت القاتل .
أنهت المكالمة ووضعت رأسها على الوسادة لتقبل الأحلام وتعبر جسر الود الذي سيوصلها يوما ما إلى شريك حياتها وبنات افكارها تقنعها بأن الغربة ستصبح جنة اذا اجتمعت به لتبعد عنه عبئا كبير وتسانده لتتكون عائلة صغيرة بين تشرق شمسها من رحم الحب لتتربع على عرش الوجود .
في اليوم التالي أستيقضت من النوم ولم تود مفارقت الفراش ولكن أشعة الشمس المشاكسة اجبرتها على الوقوف واستقبال نهارا جديدا لربما تولد فيه آمال كثيرة ويوقد جمر الإرادة بالرضا الإلهي .
ذهبت لتغسل وجهها قبل أن تدخل الحمام سمعت صريخا عاليا وأصوات كثيرة آتية من بيت الجيران في هذه اللحظة اجتاحها شهور مزقها كقطعة ورق وشتتها كقذيفة انفجرت لتنهي كل شيء ، ألقت منشفتها أرضا وهرعت اتجاه الصوت ، باب الجيران مفتوح على مصراعيه دخلت دون أستاذان لتمسك في كتف ام زكريا وتهزها كاعصار غاضب ملحّة عليها بسؤال ماذا جرى ولما تولولون هكذا ... ؟
أجابتها الأخرى وهي تبكي بحرقة وقليها فاق درجة الغليان بأن زكريا قد فارق الدنيا وانتقل إلى الرفيق الأعلى .
لم تصدق ما سمعت فخرجت فاقدة عقلها وشفتيها تتلعثم بالكلام ارتدت عباءة الخيبة والإستسلام وفي جوفها أسئلة كثيرة ، لما ...؟ وماذا ....؟ ومتى حصل ما حصل ،
فأخبرها طفل في الشارع أن زكريا تشاجر مع أحد السكان اللاجئين فطعنه بالسكين فكانت نهايته وآخر أنفاسه هكذا أخبروا والدته رفاقه في المهجر ، جلجل صوتها وجعا اعتصر قلبها وانهالت دموعها قهرا لتنتهي قصة حبها هنا على درب الحرب والفرار فلم يتبقى لها من زكريا سوى كومة رسائل وصور نحتت على لوحة وجدان مكسور فارتجفت كالعصفور المبتل بالغدق وأصبح جسدها كتمثال من صقيع .
مضت في طريقها تخاطب نفسها وتندب حظها وسفر خطيبها إلى بلاد الوهم والسراب تقول : (( لقد هرب زكريا من الموت ووجد الموت ينتظره )) .
ّ
.......
خوله ياسين
الدَّهق: الضغط الشديد
دهاليز : معابر ، أنفاق ، قبو

تعليقات