يوم مت للكاتبة الدكتورة عبير خالد يحيى

يوم مت  للكاتبة الدكتورة عبير خالد يحيى
يوم مت للكاتبة الدكتورة عبير خالد يحيى

يوم مت 

وحدها أمي كانت ترى في ضحكتي المعاقة حياة ..
كنت ارى دواخل الباقي من آل آدم  بعينيي العمياوين  ، سخرية، استخفاف ، اشمئزاز ، شفقة بأحسن الأحوال .
جسدي الذي غادره الزمن ، بعد ان حكم عليه بالضآلة مهما امتد به العمر .. موتور باهتزازات كثيرة ، كلها كانت عاجزة  عن استنهاض أطرافي السفلية وتحفيزها على فعل ما خلقت لأجله .
وحده صوت أمي كان الوسيط بين ذلك الحي القابع في القبة الكروية التي تعلو الضآلة ، وبين عالم رحب لا ادري حجم اتساعه لكن تخيلته ، عندما سألت امي عن حجمه اخبرتني بانه بحجم كفها عندما تمسح  وجهي، فعرفت أنه شاسع جدا ..
سألتها يوما عن الألوان ، فعرفت أن  الأحمر  لون قبلتها على وجنتي ، الأزرق لون انفاسها، الأخضر لون صوتها وهي تغني، والأصفر لون آهاتها وهي مريضة ..أما الأبيض فهو ابتهالها في صلاة...
عندما طلبت مرة ورقة واقلام مبديا رغبتي برسم لوحة ، تناولني الجميع بالسخرية ، وحدها أمي من أخذت مطلبي على محمل الجد ، وضعت قلما في يدي وقالت لي :  هيا ابدأ!
وضعت يدي على صدرها ، ورسمت جبلا اسمر   ، وضعتها على جبينها ورسمت شمسا ، ادمعت عينها ورسمت نهرا ، تحسست بطنها فرسمت مرجا أخضر .. يومها عرضت امي لوحتي هذه في إحدى المسابقات  ففازت بمركز متقدم .
كانت تحدث جارتنا همسا : لم تقبل اي مدرسة في البلدة انضمام عصام إليها ! سالقنه المناهج الدراسية بنفسي .
لتشهق الجارة : كيف ستفعلين ذلك ؟  ومسؤولياتك الأخرى ؟ وما جدوى العلم عند عصام ؟

اجابتها بتحد : عقله حي ويحتاج الغذاء !

قرأت عبر أمي  الكثير  من العلوم  ،  في كل المجالات ، وصلت إلى مرحلة  انتقاء الكتب واختيار المراجع ! حتى استحال عقلي إلى خزينة معرفة ...
لا ادري الآن كم عمري على وجه التحديد ، لكن صوت امي الواهن ينبئني أنها تعدت الستين ، ارى اللون الأصفر قد غلب على صوتها ، كما ان بياضها قد اشتد أكثر...
 صوت غريب جدا كنت قد سمعته يوما يعلن نفوره من شكلي، يومها أقنعتني أمي أن انمي عندي ملكة الاختيار ، اسمع من الاصوات ما يعجبني فقط ، أضيف لإعاقاتي إعاقة  جديدة باختياري ، ولم يعجبني سوى  صوت أمي فكان هو كل ما أسمع .. لكن ذلك  الصوت البغيض اخترق إعاقتي لينهي حياتي بعبارة  : (إنا لله وإنا إليه راجعون ).

عبيرخالد يحيي

تعليقات