نهاية لعنة / للكاتبة السورية / زينب غيث يوسف

نهاية لعنة / للكاتبة السورية / زينب غيث يوسف
نهاية لعنة / للكاتبة السورية / زينب غيث يوسف


توّجبَ عليَّ أن أمشيٌ بثقةٍ عمياء على خيطٍ كادَ لا يُرى بالعين المجردة ، أن أملِكَ ثِقةَ ذاكَ الطّفلِ الرّضيعِ الّذي يُلاعبهُ والدهُ ويرميهِ في الهواءِ ليُطلقَ عنانَ ضِحكَتهِ المِدوّيةٌ ، مُدرِكاً تماماً أن ساعِدا والدهِ ستستقبلانهِ بحنيٌّة.
بثقةٍ لا يوجدُ فيها أدنَى احتمالٍ للشّكِ او الرويّةٌ . 
لا مفرَّ أمامَ هذا الخيطِ اللّعينِ ، هذا الخيط الذي يفصلُ بينَ نارينِ متناقضتينِ بالهويّة
لوهلةٍ لم أعي لا الزمانَ ، لا المكانَ ، ولا من اكون !
أجَلتُ بِناظرِي في كُلّ الاتجاهاتِ ، إلى النقطةِ الّتي أحسستُ عليها بثقلِ الكونيّة ، إلى النقطةِ الّتي تحمِلُ ثِقلَ إرهاقي ، ثِقلَ الذِّكرياتِ الأزليّة ، ثِقلِ الطُّموحِ والنّظراتِ الحالِمة المُستقبليّة !
لم أُصدّق كيفَ لخيطٍ رفيعٍ أن يحمِلَ على عاتقِه الشّوق إلى الماضي ورغبةَ الهروبِ منه القويّة .
بدأت عينايَ تحدِّقُ في كُلّ الوجُودِ ، تنظُرانِ إلى النقاطِ اللانِهائيّة
تجولُ بينَ الزّحمةِ الصُّوريّة والأشياءِ المُبعثَرةِ الفَوضويّة
ورغمَ توقُّفي عندَ الكثيرِ من المحطّاتِ الّتي ذكرتُها لم أستطِع أن أُحدِّد أينَ أنا ! في أيّ مكانٍ ، في أيّ زمانٍ ، في أيّ تارِيخٍ ، في أيّ عامٌ !
بدا لي وكأنَّ حياتي انتهتٌ وها أنا على مركبَتي الوداعيّة !
وفي لحظةٍ بديهيّة ، اصطدمتُ ببعضِ المشاهدِ الّتي اذكُرها وعِندها ، أدركتُ ماهيةَ وُجودي الكونيَّة .. 
أدركتُ أنني في الوجودِ واللاوجود ، في الماضي والمستقبل وأنني نسيتُ الحاضرَ بينَ الأسودِ والابيضٌ !
لم أفهمٌ كيفِ أنّى للماضي والمستقبل أن يستغنيانِ عن الحاضرِ وصداقتهم الأزليّة
أدركتُ أننّي في حربِ الزّمانِ والمكانِ ، في حربِ الإرادةِ والإستسلام ..
فالماضي قد حشدَ جيشهُ وعِدّتَهُ مِن ذكرياتٍ وصورٍ ومشاعرٍ تُضعِفُ قلبَ عدوِّها 
والمستقبل عدَّ عِدّتهُ وتسلّح بكاملِ الإرادةِ والوعيِ والأحلامِ المُستقبليّة
فكِلاهُما يمتلكُ أسلِحةً قويّة وهدفهمٌ امتلاكُ الحاضرِ بأنانيةٍ لمِدةٍ أبديّة
والحاضرُ يَقِفُ في مُنتصفِ المسافةِ الحدوديّة قدٌ سيطرَ عليهِ عَدمُ الاحساسِ بالهويّة .
وبِقَدٌرِ القوَّةِ الماضيّة والبسَالةِ المُستقبليّة كانَ الإستسلامُ والخُنوعُ لِلحاضِريّة !
وَ وسٌطَ صيحاتِ جُنودِ الماضي الشّاعِريّة وراياتِ الأحلامِ الورديّة
صرخَ الحاضرُ كفَى صِراعاً كفاكُم دمويّة !
أرادَ إيقافَ تِلك الحَربِ الهزَليّة
لكنٌ لا أحَدٌ يسمَع ، ٌ لا أحَدٌ يُبَالي بأيَّةِ صرخَةٍ قويّة ..
ودوَى صوتُ رهيبُ مُعلِنَاً البِدايةَ الدّمويّة وتعالَت الأصواتُ والحاضرُ تارةً في الجّهةِ اليمينيّة وتارةً أُخرى في اليساريّة ، يتقطَّعُ على مايرَاه مِن ذِكرياتٍ وأحلامٍ مِرميّة ، على الخرابِ الّذي حلَّ في تَِلك الفترةِ الزمنيّة .
فكِلاهُما مُحٌتَلّ غاشِمُ لا يعرِفُ لا الرّحمةَ ، لا الحِنيٌة !
وبعدَ ساعاتٍ مِن تلاشي القوّة والإرادَة سقطَ كِلاهُما ضحيّة ..
عمّ السُّكونُ المكانٌ ومظَاهِرُ الدّمارِ في كُلّ ذرّةٍ مِن جسدِ الحاضرِ مُمتَلُئةٍ بِقطَراتٍ دمَويّة .
فلَم يبقَى شيئاً جميلاً في أرضِ الحاضرِ..كلّ الأشياءِ كانَتٌ أشلاءً ماضيّة ومستقبليّة
وهكذَا تعادَلا ، تعادَلا بعدَ حربٍ إستِنزَافيّة!
ولكِنٌ أدركتُ أنّ لا حربَ تنتهي بتعادلٍ ، إمّا انتِصار أو هزيمَة
وإنني أقِفُ على هذا الخيطِ لأرفعَ رايةَ الإنتصارِ أو أُعلِن هزيمة أزليّة
ولكن هيهات ! ..  لستُ أنا مَن يُهزَمُ بِحَربٍ هزليّة.. ومشيتُ ضاحِكةً مُعلِنَةً نِهايََة اللّعنَةِ الأبَديّة

زينب غيث يوسف

تعليقات