كلية الأصنام / للكاتبة والأديبة السورية / توفيقة خضور

كلية الأصنام  / للكاتبة والأديبة السورية / توفيقة  خضور
كلية الأصنام / للكاتبة والأديبة السورية / توفيقة خضور

توفيقة خضور

                                            

نزل إلى السوق عارياً حتى من ورقة التوت، يتجول بحرية دونما أدنى حرج، غير آبهٍ

 بالأعين التي تنهشه.. حوقل البعض، تعوذ آخرون، بينما لجمت الكثير من النسوة

 أبصارهن الحرونة بأصابع منفرجة..!

وبعد أقل من ساعة كان الرجل بين يدي أمهر الأطباء في مشفى الأمراض العقلية،

بذل الطبيب جلّ جهده وخبرته، ليقف على سرّ مريضه الذي اطمأن له، فراح يروي

 قصته بانسيابية من يناجي نفسه:

(اشتعلت يداي عزيمة، وغبطة، وهما تقطعان الشجرة العريقة التي تغطي فضاء

 دارنا، 

فقد باتت موطناً للكثير من الطيور التي تزعج والدتي كما أخبرتني غير مرة: أرجوك 


يا ولدي اقطع هذه الشجرة، فهي مجمع للطيور، وأنا لا أريد أن أُكشف على أي ذكر

 حتى لو كان طيراً..

قطعت أوصال موئل الحرام في بيتنا، رويت فأسي من دمائها،غير آسف على ظلالها 

الوارفة، وثمارها الشهية، وبعد أيام رجعت من مدرستي قبل نهاية الدوام بسبب 

عارض صحيّ، فسمعت..

وغصّ بدموعه، ونشيجه.

ــ ماذا سمعت..؟

سأله طبيبه، وهو يمسح على شعره بيدي سائس محترف.. قل، تكلم، ماذا سمعت؟

ــ سمعت تأوهاتها، وهي تتقلب في حضن عشيقها..! ذرفتُ نظرة أسىً ذبيح على 

جذع 

الشجرة المغدورة، وغادرت من فوري، ولم أعد إلى تلك البلدة بعد ذلك أبداً، وبعد

 جنوح العمر نحو منتصفه، طعنت من جديد بذات الخنجر على يد امرأتي التي أرادت 

أن تحضر حفل تخرج ابنتنا من كلية الفنون الجميلة، وما أن دخلت المكان الذي لم 

تره 

من قبل، حتى أصيبت بما يشبه الهستيريا، وهي تنقل بصرها بين التماثيل العارية، 

وراحت تصرخ مفزوعة: هذه كلية أصنام، وليست كلية فنون، 
   
وسحبت ابنتنا من يدها، جرّتها بقوة، وهي تقول: هيا يا ابنتي، لنغادر معبد الأوثان 

هذا قبل أن تتلوث أرواحنا، وقبل أن ترمي بقدمها خارج الباب، خلعت غطاء رأسها،

 ونشرته على جسد أحد التماثيل لتستر عورته..!

ــ وماذا بعد..؟

قال الطبيب بلهفة، وأردف:

ـ هل سمعت، ورأيت..؟

ــ ليس بعد.. لكني أكاد أسمع، فتلك الحادثة أيقظت في داخلي أنين الشجرة المغدورة..

ــ لحظة واحدة يا أخي.. أسمع ضجيجاً، وجلبة في الخارج، سأرى ماذا يحدث، وأعود 

إليك.

     جحظت روحه، تهدّلت شفاه قلبه، وهو يرى بهو المشفى يغصّ بالعراة 

الغاضبين، 

وفؤوسهم ما زالت تنزف دماء عصافير..

تعليقات