مصباح علاء الدين للأديبة السورية - توفيقة خضور - عشتار برس الإخبارية
مصباح علاء الدين
آخر نسخة
أنفق صوته، جهده، وشطراً من جميل الصبر على دروب الحيّ المُعشّقة بالشقاء.. ركن عربته الخشبية العتيقة على زاوية بيته، ربطها بسلسلة الأمان كما يُسمّيها، وبدأ يجمع ما تبقى عليها من خضراوات تنتظرها أسرته بفارغ الشوق..
(رباه ما هذا..؟!)
همس متعجباً وهو يفتل الوعاء المتآكل الغريب الذي وجده بين حبات البندورة:
(من أين جاء هذا الشيء، وكيف لم أنتبه لوجوده..؟)
رفعه بكفه ورماه قرب الحاوية وهو يقول:
ــ ربما يستفيد منه أحد الأولاد الذين ينبشون القمامة بحثاً عن رزقهم.
ــ هيه.. أنت.. تعال هنا.
ناداه صوت غريب زاجر، التفت باتجاه الصوت فرأى عملاقاً، يرتدي سترة أوربية، وسروالاً هندياً، وحذاءً صينياً، ويعتمر قبعة يابانية.. ضحك من هندامه الذي رآه لوحة غرائبية لا رائحة للجمال فيها، وسأل نفسه مستغرباً:
(تُرى ما سرّ هذا الكائن، ولماذا يرتدي من كل بلدٍ قطعة..؟)
وضحك من جديد، وهو يُنقّل بصره بين تضاريس هذا الكائن الذي صرخ به:
ــ قلت لك تعال هنا.. ما لك.. لماذا تقف مشدوهاً كالأبله..؟
دنا منه على حذر وسأله:
ــ أتكلمني أنا..؟
ــ أجل.. أكلمك أنت.. ألست من رمى المصباح السحري، فخلّصني من سجني..؟
هزّ رأسه ليطرد ما ظنه وهماً مصدره تعبه ومرارة أيامه، ناداه العملاق غاضباً:
ــ أين تشرد عني أيها الغبي..؟ ابق معي لتسمع أوامري وتنفذها.
ارتعدت جوارحه، واستبد به عارضٌ من جنون، فهو يعرف أن المارد ما أن يغادر قمقمه حتى ينادي من حرّره: (شبيك لبيك.. عبدك بين يديك) أما هذا المارد فهو من يأمر وينهي.. ما الأمر.. سأل نفسه: ما الذي يحدث..؟ أتكون هذه إحدى علامات الساعة..؟ ويلي ممّا هو آتٍ.. ويلي..
رعد المارد ساخطاً:
ــ اسمع يا هذا: أنت أقلقت سكوني وخربت عالمي، لهذا ستنفذ جميع أوامري وإلّا..
تمتم الخضري مطمئناً نفسه:
(ماذا سيطلب مني أكثر من شال من الحرير الصناعي الذي تشتهر به منطقتنا، ليُسوّر به عنقه الضخم علّ أناقته الأسطورية تكتمل؟)
وضحك ساخراً، ثم سأله باستخفاف:
ــ قل ماذا تريد مني بسرعة فأنا متعب، ولا وقت لديّ لسخافاتك.
قهقه العملاق حتى كاد يقلب على ظهره، ثم مسح بباطن كفه رذاذ قهقهاته، وقال:
ــ أريد بيتاً واسعاً جميلاً مُؤثثاً بكل وسائل الراحة والترفيه، وحوله حديقةٌ أشجارها وارفة الظلال، دانية القطوف، وسيارة آخر (موديل) خالية العلام، وزوجة بنت بيوت، ( ما باس تمّها إلا أمها) ـ كما تقولون أنتم البشر ـ ومعها من الخادمات سبعٌ.. الأولى للتنظيف والثانية للترتيب والثالثة للطبخ، أما الرابعة فعليها استلام ملفّ الأنترنت.. فيسبوك.. بريد إلكتروني وسواه.. والثلاثة الباقيات عليهن ابتكار الأجواء الشاعرية وإضفاء الحياة على حياتي..
قهقهات الخضري جمعت الكثير من سكان الحيّ حوله، وجعلت العملاق يتوقف عن سرد مطالبه، وينظر إليه مدهوشاً:
ــ ما بك.. لماذا تضحك هكذا..؟ لابد أنك وجدت مطالبي سخيفة وبسيطة، فضحكتَ مني ومنها.. اسمعني إذن: بعدما تنفذ ما أمرتك به، عليك أن تتدبّر أمر تسليمي قائد الشرطة في حيّك، وعلى الجميع تقديم فروض الطاعة لي بكرةً وأصيلاً.. ما رأيك ألا يليق بي المنصب..؟
ــ ماذا تقول أيها الأحمق..؟
صرخ الخضري بأعلى صوته، وأردف:
ــ ما طلبته يحتاج مني ومن أبناء الحيّ أعماراً..
ــ ليست مشكلتي.. هذه هي أوامري وعليك تنفيذها، وإلا سأرسلك إلى الجحيم أنت وأبناء حيّك جميعاً.. هيا ابدأ.
(2)
انحنت الظهور، ويبست من شقائها العروق، فالجميع يصل ليله بالنهار مُشفقاً من عقاب أليم إن هو قصّر، أو بحياته الخاصة انشغل.. وأثناء العمل المُضني تعثر الخضري بآنية قديمة فتملّكه الذعر، ومن الشيطان الرجيم تعوذ، ثم حوقل، فهو بمارد واحد لا يعرف طريقاً للخلاص، فكيف بماردين..؟ ويلي.. شهقت روحه، وهو يتخلص من الآنية ويهرول مبتعداً.. ناداه صوت ملهوف يجري وراءه:
ــ توقف يا سيدي.. لا تخف فأنا عبدك المطيع..
تسمّر مكانه مشدوهاً لا يجرؤ على الالتفات، وبلحظة واحدة وجد نفسه وجهاً لوجه أمام عملاق يُحاكي الصورة التي تسكن مخيلته عن هذه الكائنات الخرافية، ربت العملاق على كتفه بودّ وهو يقول: (شبيك لبيك عبدك بين يديك)
شهقت فرحته، وهتف:
ــ لا أريد منك شيئاً لنفسي، فما أطلبه فقط أن تنفذ أوامر ابن عمك المجنون.
ــ ابن عمي.. أين هو، وماذا يريد منك..؟
ناوله ورقة طولها أربعة أمتار كُتبتْ عليها طلبات سابقه، وهو يقول:
ــ إن لم نحقق له ما يريد، سيرمينا جميعاً في الجحيم.
قرأ المارد الورقة بنظرة واحدة، فغرق في الضحك.
ــ ما الذي يضحكك سيدي..؟
سأله الخضري والخوف يُراقص الأمان على مساحة جسده وروحه..
ــ أضحك منكم معشر العرب، فمازلتم تغرقون في شبر سراب رغم أنكم بلغتم من الوجع عتياً.. ألم يخطر في بالكم أنه لو كان يملك القدرة على إيذائكم، لما لجأ إليكم لتحقيق ما يريد؟

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.