سوريا تدخل البيت الأبيض… ولكن من الباب الخلفي
سوريا تدخل البيت الأبيض… ولكن من الباب الخلفي
بقلم الدكتور حكيم غريب
يشكّل لقاء أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض محطة مفصلية في مسار الصراع السوري وفي تموضع الفاعلين الإقليميين والدوليين على حد سواء، إذ يعكس هذا الحدث تحوّلًا استثنائيًا في صورة الشرع الذي انتقل من موقع الخصومة العقائدية مع الولايات المتحدة إلى موقع الشراكة السياسية معها.
من المتمرد على الأميركيين إلى ضيفهم في البيت الأبيض
التحوّل من الخصومة إلى الشراكة: مشهدٌ جديد في السياسة السورية
يشكّل لقاء أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض محطة مفصلية في مسار الصراع السوري وفي تموضع الفاعلين الإقليميين والدوليين على حد سواء، إذ يعكس هذا الحدث تحوّلًا استثنائيًا في صورة الشرع الذي انتقل من موقع الخصومة العقائدية مع الولايات المتحدة إلى موقع الشراكة السياسية معها. هذا اللقاء لم يكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل تطور نوعي يعيد صياغة المشهد السوري في ضوء التفاعلات الجديدة بين البراغماتية الأميركية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. فعلى الصعيد السياسي، حملت الزيارة دلالات عميقة تتجاوز ظاهرها الدبلوماسي؛ إذ أظهرت استعداد واشنطن لتبنّي مقاربة جديدة في التعامل مع دمشق، تقوم على إعادة تأهيل شخصية مثيرة للجدل كانت تُدرَج ضمن قوائم الإرهاب، لتتحول إلى فاعل سياسي يُعوَّل عليه في هندسة مرحلة ما بعد الحرب. هذا التحول يعكس إدراكًا أميركيًا متناميًا بأنّ إدارة الصراع السوري لم تعد ممكنة عبر الوكلاء التقليديين، وأنّ إعادة إنتاج الدولة السورية تقتضي التعاطي مع القوى الصاعدة على الأرض لا مع الكيانات المنهكة سياسيًا أو عسكريًا .
من متمردٍ في العراق إلى ضيفٍ في البيت الأبيض
تشكل زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض ولقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر 2025 حدثًا استثنائيًا في التاريخ السياسي الحديث للشرق الأوسط، إذ تنطوي على دلالات رمزية واستراتيجية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي إلى عمق التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. فالشرع الذي بدأ مسيرته متمردًا ضد القوات الأمريكية في العراق مطلع الألفية، ثم قاد فصائل مسلحة ذات طابع جهادي خلال الحرب السورية، يجد نفسه اليوم ضيفًا رسميًا في أرفع مؤسسة سياسية أمريكية، في مشهد يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة الصراع ومفاهيم الشرعية والأمن الإقليمي. هذا الانتقال الدراماتيكي من موقع العداء الأيديولوجي إلى موقع الشراكة الاستراتيجية لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الدولي المتغير، الذي أعاد تعريف أدوات القوة وأساليب إدارة النزاعات، حيث لم تعد التحالفات تُبنى على أساس الثبات العقائدي بقدر ما تُشكَّل وفق معايير المصلحة والتكتيك المرحلي.
واشنطن تُعيد تدوير خصومها: من العدو الإرهابي إلى الشريك الواقعي
من منظور التحليل السياسي، تمثل هذه الزيارة انعكاسًا لعملية “إعادة تدوير الفاعلين” التي تلجأ إليها القوى الكبرى عندما تفرض التحولات الميدانية واقعًا جديدًا يتجاوز الحسابات التقليدية. فواشنطن التي صنّفت الشرع سابقًا كخصم وعدو إرهابي باتت تنظر إليه اليوم كفاعل واقعي يمكن توظيفه ضمن معادلة الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب. وهذا التحول يعكس نهجًا أمريكيًا براغماتيًا متجددًا قوامه الاستفادة من الانقسامات الداخلية في المنطقة لإعادة بناء نفوذها دون انخراط عسكري مباشر. في المقابل، يدرك الشرع أنّ شرعيته الداخلية والدولية لا يمكن أن تُكرّس إلا عبر إعادة التموضع في المنظومة الدولية، من خلال إظهار نفسه كشريك يمكن الوثوق به في إدارة ملفات الإرهاب، وإعادة الإعمار، وضبط التوازن بين القوى الإقليمية المتنافسة. ومن ثمّ، فإن زيارته لواشنطن لم تكن مجرد استجابة لدعوة رسمية، بل خطوة محسوبة لاقتحام فضاء الشرعية الدولية من “الباب الخلفي”، بعد أن أعيدت صياغة صورته من مقاتل ميداني إلى رجل دولة يتقن لغة الدبلوماسية والتفاهم .
انهيار ثنائية العدو والشريك: الواقعية الأميركية الجديدة
تعكس هذه المفارقة مسارًا أعمق يتمثل في انهيار الحدود الفاصلة بين مفهوم “العدو” و”الشريك” في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث يُعاد تعريف الأدوار وفق ما تمليه متغيرات القوة أكثر مما تمليه المبادئ. فقد باتت الولايات المتحدة، في ظل تراجعها النسبي عن نمط الهيمنة الأحادية، تميل إلى توظيف القوى المحلية الصاعدة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية بأقل تكلفة ممكنة، حتى وإن كانت تلك القوى تنتمي إلى خلفيات أيديولوجية كانت تُعدّ حتى وقت قريب من المحظورات السياسية. إن جلوس الشرع في المكتب البيضاوي لا يعكس قبولًا تامًا ببرنامجه السياسي أو خلفيته الفكرية، بقدر ما يعكس واقعية أمريكية جديدة تسعى إلى تحويل الخصوم السابقين إلى أدوات ضبط إقليمي تخدم أولويات الأمن القومي الأمريكي. في المقابل، يحاول الشرع أن يوظف هذه اللحظة لإعادة بناء موقعه الشخصي والسياسي، مستفيدًا من رغبة واشنطن في إيجاد توازن جديد يحدّ من النفوذ الإيراني والروسي داخل الساحة السورية .
من خطاب المقاومة إلى خطاب الشراكة: نهاية مرحلة وبداية أخرى
وعلى الرغم من الطابع الرمزي الذي أحاط الزيارة، فإنها تكشف أيضًا عن تحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي العربي، إذ تُشير إلى أن إعادة دمج سوريا في النظام الدولي لن تتم عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية أو عبر مؤسسات جامعة، بل عبر مسارات ثنائية تقوم على المصالح الأمنية المشتركة. بهذا المعنى، لم يعد المتمرد الذي حمل السلاح في وجه الأميركيين رمزًا للمقاومة، بل أصبح نموذجًا لما تسميه الأدبيات السياسية “إعادة تأهيل الفاعل الميداني” ليصبح شريكًا في صناعة الترتيبات الجديدة لما بعد الحرب. وهنا تكمن المفارقة التاريخية التي تُظهر كيف يمكن للتحولات الاستراتيجية أن تُعيد صياغة صورة الفاعل السياسي جذريًا، بحيث يُستبدل خطاب المقاومة بخطاب الشراكة، وتُستبدل معادلة الصراع بمعادلة التفاهم، في سياق يعيد إنتاج ميزان القوى وفق مقاييس جديدة قوامها الواقعية السياسية ومرونة الولاءات .
أولاً: البعد السياسي – تبييض صفحة الشرع وإعادة تدوير العدو
يمثل البعد السياسي لزيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض تجسيدًا واضحًا لتحولٍ عميق في المقاربة الأمريكية تجاه الملف السوري، قوامه تبييض صفحة شخصية مثيرة للجدل كانت لسنوات تُعدّ خصمًا مباشرًا للمصالح الغربية، وإعادة توظيفها ضمن معادلة سياسية جديدة تستجيب لمتغيرات الواقع الإقليمي والدولي. فالشرع، الذي صعد من بيئة جهادية راديكالية حملت السلاح ضد الوجود الأمريكي في العراق، يجد نفسه اليوم في موقعٍ سياسي يحظى باعترافٍ ضمني من القوة العظمى ذاتها التي حاربها في الماضي. هذا التحول لا يمكن فهمه إلا في إطار التحول الأوسع في الاستراتيجية الأمريكية بعد عقدين من الفشل في فرض أنظمة سياسية بالقوة العسكرية، وانتقالها إلى سياسة “إعادة تدوير الخصوم” من أجل توظيفهم كأدوات لضبط التوازنات الميدانية بأقل كلفة ممكنة. من هذا المنظور، فإن تبييض صفحة الشرع ليس قرارًا تكتيكيًا محدود الأثر، بل هو جزء من هندسة سياسية متكاملة تهدف إلى خلق نموذج سوري جديد يجمع بين الطابع الإسلامي البراغماتي والقدرة على التواصل مع الغرب، بحيث يقدّم الشرع نفسه كحل وسط بين نقيضين: النظام البائد والفصائل المتشددة .
إنّ هذا التحول السياسي يخدم في العمق أهدافًا مزدوجة لكلٍّ من واشنطن ودمشق الجديدة. فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة بناء حضورها في سوريا بعد انكماش نفوذها لصالح روسيا وإيران، عبر التعامل المباشر مع شخصية قادرة على التحكم في التوازنات الداخلية دون الحاجة إلى تدخل عسكري أمريكي جديد. ومن جهة أخرى، يرى الشرع في الانفتاح الأمريكي فرصة لإضفاء الشرعية على سلطته الانتقالية، واستثمار الاعتراف الدولي في تثبيت موقعه السياسي داخليًا، خصوصًا في ظل انقسامات المشهد السوري وضعف البدائل المدنية. بهذا المعنى، يتحول اللقاء بين ترامب والشرع إلى عملية تبادل رمزي للمصالح: تمنح واشنطن الاعتراف مقابل الاستقرار، ويمنح الشرع التعاون الأمني مقابل الشرعية .
ثانيًا: البعد الإقليمي – إعادة رسم خرائط النفوذ وتوازن القوى
على المستوى الإقليمي، يعيد هذا التحول رسم حدود النفوذ بين القوى الفاعلة في المشرق، إذ تسعى واشنطن من خلال إعادة تأهيل الشرع إلى تقويض الاحتكار الروسي والإيراني للملف السوري، وخلق توازن جديد يسمح لها باستعادة زمام المبادرة في المنطقة. كما يمثل هذا التوجه جزءًا من عملية أوسع لإعادة تعريف طبيعة التحالفات الأمريكية في الشرق الأوسط، عبر الانتقال من دعم الأنظمة التقليدية إلى الانخراط مع الفاعلين الميدانيين الجدد الذين أثبتوا قدرتهم على البقاء والسيطرة. أما داخليًا، فإن الشرع يوظف هذه الزيارة كأداة سياسية لإعادة تشكيل صورته أمام الرأي العام السوري والعربي، محاولًا الانتقال من صورة “القائد الميداني المتشدد” إلى صورة “رجل الدولة الإصلاحي” القادر على فتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي .
انعكاسات الزيارة على منظومة الأمن الإقليمي
تُعدّ زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض منعطفًا يتجاوز الإطار السوري الداخلي ليترك بصمات مباشرة على منظومة الأمن الإقليمي، ولا سيّما على الساحة اللبنانية التي تشهد منذ شهور تصاعدًا في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، تحت غطاءٍ سياسي وأمني من الإدارة الأمريكية. فعلى الرغم من أنّ الزيارة قُدّمت بوصفها خطوة نحو “التعاون في مكافحة الإرهاب” و”تعزيز الاستقرار الإقليمي”، فإنّ نتائجها الميدانية المحتملة توحي بإعادة ترتيب قواعد الاشتباك في المشرق، وبإعادة توزيع أدوار الأطراف الفاعلة وفق أولويات واشنطن الجديدة. في هذا السياق، يمكن القول إنّ لبنان سيكون من أكثر الدول المتأثرة بالتحولات التي كرّستها هذه الزيارة، نظرًا لموقعه الجغرافي الملاصق للجبهة السورية، وارتباط أمنه الداخلي بتوازنات الصراع السوري–الإسرائيلي .
الارتدادات الأمنية: سوريا تعود عبر البوابة الأميركية
على المستوى الأمني المباشر، تمثل عودة سوريا إلى واجهة المشهد الدولي عبر البوابة الأمريكية عامل ضغط إضافي على البيئة الأمنية اللبنانية، إذ تمنح إسرائيل هامش تحرك أوسع لتنفيذ عملياتها العسكرية تحت شعار “منع تمدد النفوذ الإيراني” أو “الرد على نشاطات حزب الله”، وهي العناوين التي لطالما استخدمتها تل أبيب لتبرير خروقاتها المتكررة للسيادة اللبنانية. دخول دمشق في تفاهمات أمنية مع واشنطن يعني ضمنيًا انخراطها في منظومة “الردع الأميركي – الإسرائيلي” الجديدة التي تُرسم في المنطقة، ما يفتح الباب أمام احتمال تراجع الغطاء السوري ولو ضمنيًا عن محور المقاومة الذي كان يشكل عنصر توازن في مواجهة إسرائيل. بهذا المعنى، فإنّ الزيارة تُترجم ميدانيًا إلى إعادة تموضع استراتيجي يُضعف المظلة الردعية التي كان لبنان يستفيد منها بحكم التنسيق غير المعلن بين دمشق وحزب الله في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية .
المعادلة الأمنية الجديدة: استقرار هشّ تحت المراقبة الأميركية
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى استثمار التقارب مع الشرع في تثبيت معادلة أمنية جديدة قوامها ضبط الجبهة السورية – اللبنانية وإخضاعها لإشراف غير مباشر عبر التعاون الاستخباراتي. هذه المعادلة تتيح لواشنطن التحكم في مسار التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، بما يضمن بقاء لبنان في حالة “استقرار هشّ” لا تنفجر إلى حرب شاملة، لكنها أيضًا لا تتيح له بناء قدرة ردعية مستقلة. ومع أنّ الخطاب الأمريكي الرسمي يبرر هذا التوجه بمفهوم “احتواء التهديدات”، إلا أنّه في الواقع يرسّخ تفوقًا استراتيجياً لإسرائيل، التي تستفيد من مظلة الشرعية الأميركية لتوسيع نطاق عملياتها في العمق اللبناني والسوري على حدٍّ سواء، من دون أن تواجه ردعًا مماثلاً أو اعتراضًا دوليًا مؤثرًا .
تداعيات سياسية: تراجع الموقف اللبناني في مفاوضات الحدود
من الناحية السياسية، تُضعف هذه التطورات موقع الدولة اللبنانية في مفاوضاتها المستقبلية حول الحدود البرية والبحرية، إذ ستتعامل إسرائيل من موقع قوة مدعوم بتفاهم أمريكي – سوري ضمني حول “ضبط الجبهة الجنوبية”. كما أنّ أيّ تصعيد ميداني في الجنوب اللبناني بعد الزيارة قد يُفسَّر ضمنياً كرسالة مزدوجة: ضغط على حزب الله لإعادة تقييم تحالفاته، واختبار لمدى استعداد دمشق الجديدة للتمايز عن المحور الإيراني. في هذا الإطار، قد تجد بيروت نفسها أمام مشهدٍ معقد يتمثل في تآكل منظومة الردع التقليدية، مقابل صعود منظومة جديدة تُدار من الخارج، تُبقي لبنان رهينةً لتوازنات إقليمية لا يملك قرارها .
البعد الاستخباراتي: رقابة مزدوجة وتآكل السيادة الأمنية
أما على المستوى الاستخباراتي، فإنّ التنسيق الأمريكي – السوري المحتمل في ملف “مكافحة الإرهاب” قد يمتدّ ليشمل تبادلًا للمعلومات حول تحركات الجماعات المسلحة في البادية والحدود الشرقية، وهو ما يمنح واشنطن نافذة رقابية إضافية على الداخل اللبناني. وبذلك، يتحول لبنان إلى مجال مراقبة مزدوجة: إسرائيلية عبر الطائرات المسيرة، وأمريكية عبر القنوات الأمنية المشتركة مع دمشق. هذا الوضع يضعف استقلالية القرار الأمني اللبناني، ويزيد من هشاشة البيئة الاستراتيجية للجنوب، خاصة في ظل غياب رؤية وطنية موحدة قادرة على صياغة سياسة دفاعية متكاملة .
البعد الاستراتيجي – من العدو إلى الشريك في هندسة النفوذ
إنّ عملية تبييض صفحة الشرع تمثل بذلك تجربة نموذجية في كيفية تحويل “العدو السابق” إلى “شريك محتمل”، وهو ما يعكس براغماتية أمريكية متصاعدة في التعاطي مع التحولات الإقليمية، كما يعبّر عن إدراك متبادل لدى الطرفين بأن الشرعية في عالم اليوم لا تُمنح على أساس الأيديولوجيا أو التاريخ، بل على أساس القدرة على خدمة التوازنات ومصالح القوى الكبرى. هذه المقاربة السياسية الجديدة تُعيد تعريف مفاهيم السيادة والشرعية، وتكشف أن الطريق إلى الاعتراف الدولي لم يعد يمر عبر بناء المؤسسات الديمقراطية، بل عبر إثبات القدرة على ضبط الجغرافيا والسيطرة على المجال الأمني، حتى وإن كان ذلك من خلال وجوهٍ كانت في الماضي القريب تمثل رموزًا للعداء والمواجهة .
إنّ زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن لم تكن حدثًا سوريًا بحتًا، بل تحوّلت إلى حلقة ضمن مشروع أوسع لإعادة هيكلة توازن القوى في المشرق العربي. فبينما يُروَّج لها كخطوة نحو “الاستقرار”، فإنّ انعكاساتها على لبنان تكشف عن واقعٍ مغاير، يتمثل في ترسيخ مظلة أمنية أمريكية – إسرائيلية تُقيّد قدرة المقاومة على الرد، وتحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة مراقَبة دائمة ضمن معادلة الردع غير المتكافئة. بهذا المعنى، لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية تُعدّ خرقًا، بل أصبحت ضمنيًا جزءًا من “قواعد اللعبة الجديدة”، التي تُدار من واشنطن وتُنفَّذ ميدانيًا تحت أنظار دمشق الصامتة وبيروت العاجزة .
هذا التحوّل يخدم عدة أهداف سياسية لواشنطن:
📌 شرعنة الواقع الجديد في سوريا:
الولايات المتحدة تقرّ عمليًا بأن “سوريا الجديدة” يُمثّلها رجل خرج من رحم الفصائل الجهادية، لكنها تفضّله في هذه اللحظة على استمرار الفوضى أو عودة فلول النظام السابق
📌 خلق بديل سني–إسلامي “مضبوط”:
الشرع يقدَّم اليوم كنموذج إسلامي براغماتي، قابل للتفاهم حول ملفات مكافحة الإرهاب، وترتيبات الجنوب، وحدود النفوذ الإيراني، دون الحاجة إلى استقدام نظام علماني أو عسكري جديد .
📌 إعادة تعريف المعارضة السورية:
جزء كبير من المعارضة التقليدية (مجالس، ائتلافات، شخصيات مدنية) يجد نفسه الآن متجاوزًا؛ فالمشهد يعاد ترتيبه بين “رئيس الأمر الواقع” والقوى الدولية الراعية .
سياسيًا أيضاً، تمنح الزيارة الشرع ورقة داخلية قوية؛ فهو يستطيع أن يخاطب الداخل السوري بوصفه الرجل الذي أخرج سوريا من العزلة، وفتح قنوات مباشرة مع واشنطن، وحصل على تعليق للعقوبات، ما يضيف لرصيده أمام منافسيه من الإسلاميين السابقة والفلول الأسدية معاً .
البعد الاستراتيجي – واشنطن تعيد هندسة توازنات المنطقة
يشكّل البعد الاستراتيجي في زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض المكوّن الأعمق في فهم مغزاها الإقليمي، إذ لا يمكن النظر إلى اللقاء بين الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أنه مجرد محاولة لفتح صفحة جديدة مع دمشق، بل هو خطوة مدروسة ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة توازنات القوة في الشرق الأوسط بعد عقدٍ من التحولات البنيوية التي أحدثتها الحرب السورية وتراجع الهيمنة الأمريكية المباشرة. فواشنطن التي واجهت تآكل نفوذها في المنطقة بسبب الصعود الروسي والإيراني والتركي، وجدت في إعادة تأهيل الشرع فرصة لإعادة التموضع في قلب الجغرافيا السورية، بما يسمح لها بإدارة خطوط التماس الجديدة دون انخراطٍ عسكري مكلف. ويأتي هذا التوجه في سياق “العودة الذكية” للولايات المتحدة، التي باتت تعتمد على أدوات القوة غير الصلبة، من الدبلوماسية المعاد توجيهها إلى التحالفات الانتقائية والضغوط الاقتصادية، في سبيل إعادة ضبط موازين القوى بما يخدم مصالحها بعيدة المدى .
إنّ أحد أبرز أبعاد هذا التحول يتمثل في نقل مركز الثقل الإقليمي من المحور الروسي–الإيراني إلى محورٍ جديد تتصدره واشنطن عبر البوابة السورية. فقد سعت الولايات المتحدة من خلال زيارة الشرع إلى تكريس معادلة جديدة مفادها أنّ عودة دمشق إلى المجتمع الدولي يجب أن تمر عبر واشنطن لا عبر موسكو أو طهران، وأنّ الشرعية السياسية للنظام السوري القادم مشروطة بإعادة تموضعه ضمن الاستراتيجية الأمريكية في مكافحة الإرهاب واحتواء النفوذ الإيراني. هذا التوجه يندرج في إطار ما يمكن تسميته “استراتيجية فك الارتباط المزدوج”، أي إبعاد سوريا تدريجيًا عن حلفائها التقليديين، مقابل إدماجها في شبكة مصالح اقتصادية وأمنية غربية، تضمن من جهة تخفيف الضغوط الإنسانية وإعادة الإعمار، وتمنح من جهة أخرى واشنطن موطئ قدم جديدًا في توازن القوى المشرقي .
كما تُبرز الزيارة جانبًا آخر من استراتيجية “الردع المتكامل” التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، إذ تسعى واشنطن إلى بناء جبهة إقليمية متعددة المستويات تربط بين الملف السوري ومكافحة الإرهاب من جهة، وبين أمن إسرائيل والخليج العربي من جهة أخرى. فالشرع، بصفته رئيسًا انتقاليًا لسوريا الجديدة، يُقدَّم في الخطاب الأمريكي كشريك قادر على تأمين حدود الجنوب وضبط الجبهات الداخلية، بما يتيح للولايات المتحدة إعادة هيكلة منظومة الأمن الإقليمي دون مواجهةٍ مفتوحة مع طهران أو موسكو. ومن هنا، فإن تعليق العقوبات عن دمشق جزئيًا لم يكن مجرد إجراء اقتصادي، بل رسالة استراتيجية مزدوجة: طمأنة لحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط بأن الولايات المتحدة ما تزال الطرف القادر على إدارة الصفقات الكبرى، وتحذير ضمني لإيران بأنّ دعمها للنظام السوري لم يعد صمام أمان دائم في ظل التحولات السياسية الجديدة .
وتكمن أهمية هذا التحول أيضًا في أنه يُعيد تعريف وظيفة سوريا داخل الإقليم، من دولة صراع إلى دولة “ممرّ”، تربط بين التوازنات المتناقضة وتؤدي دور الحاجز الجيوسياسي الذي يحول دون التمدد الإيراني من جهة، والانفلات التركي من جهة أخرى. فالشرع الذي جاء إلى البيت الأبيض بوصفه “القائد الواقعي” للساحة السورية، يمثّل بالنسبة لواشنطن ورقة استراتيجية قابلة للتدوير ضمن هندسة شاملة تهدف إلى خلق حالة من “الاستقرار المشروط” الذي يضمن بقاء النفوذ الأمريكي حاضرًا دون التورط في احتلالٍ مباشر أو مواجهةٍ شاملة. ومن هذا المنظور، تُصبح الزيارة جزءًا من إعادة إنتاج النسخة الجديدة من “الشرق الأوسط القابل للإدارة”، حيث لا تعود واشنطن اللاعب المنفرد، لكنها تبقى المايسترو الذي ينسّق بين القوى الإقليمية المتنافسة في إطار منظومة ردعٍ مرنة قائمة على التوازن النسبي لا على التفوق المطلق .
فاخر
على الصعيد الإقليمي الأوسع » إشارات مرتفعة النبرة إلى العواصم العربية
وعلى الصعيد الإقليمي الأوسع، فإنّ هذه الزيارة تُرسل إشارة واضحة إلى العواصم العربية بأنّ مستقبل العلاقات مع واشنطن سيتحدد بناءً على درجة الاصطفاف مع رؤيتها الجديدة للأمن الإقليمي، التي تضع مكافحة الإرهاب وضمان أمن إسرائيل في مقدمة الأولويات. كما تُشكّل الزيارة جزءًا من عملية تطبيع سياسي تدريجي مع دمشق يُراد منها تقويض المبادرات الروسية في مسار أستانةوسوتشي، وإعادة إدراج الملف السوري ضمن دائرة القرار الأمريكي – الأطلسي. بهذا المعنى، فإنّ اللقاء بين الشرع وترامب ليس حدثًا بروتوكوليًا، بل هو إعلان ضمني عن بداية مرحلة إعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي وفق توازنات جديدة تجعل من واشنطن مرجعية لا غنى عنها في أي تسوية مقبلة .
ختام تحليلي » احتواء مرن يرسم خريطة النفوذ
ختامًا، يمكن القول إنّ البعد الاستراتيجي لزيارة الشرع إلى البيت الأبيض يعكس محاولة أمريكية لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمشرق من خلال “العودة عبر الخصم”، أي توظيف التحولات الميدانية لإنتاج نظام إقليمي يخدم مصالحها من الداخل لا من الخارج. فبينما تبدو واشنطن وكأنها منحت دمشق فرصة لرفع العزلة، فإنها في الواقع استرجعت بوابة النفوذ التي خسرتها منذ بداية الحرب. وبهذا، تتحول الزيارة إلى نقطة ارتكاز لاستراتيجية جديدة قائمة على الاحتواء المرن لا المواجهة، وعلى استخدام التحالفات المؤقتة كأدوات لإعادة رسم الخريطة الأمنية والسياسية للمنطقة، بما يضمن بقاء الولايات المتحدة في مركز معادلة القوة رغم تبدّل اللاعبين وتغيّر الوجوه .
ثالثاً: البعد الأمني والاستخباراتي من “هدف” إلى شريك
يُعدّ البعد الأمني والاستخباراتي لزيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض أحد أكثر أبعادها حساسيةً وتعقيدًا، إذ يعكس تحوّلًا نوعيًا في موقع الرجل من “هدفٍ مطارد” ضمن قوائم الإرهاب الأمريكية إلى “شريكٍ محتمل” في بناء منظومة الأمن الإقليمي الجديدة. فلقاء الشرع بالرئيس الأمريكي لم يكن حدثًا بروتوكوليًا أو مجاملةً سياسية، بل خطوة مدروسة على مستوى الأجهزة الاستخباراتية الغربية، جاءت بعد أشهرٍ من قنوات تواصل غير معلنة بين واشنطن وبعض الدوائر الأمنية في دمشق الجديدة، تمهيدًا لاختبار مدى جاهزية النظام السوري الناشئ للانخراط في ترتيبات أمنية مشتركة. وبذلك، فإنّ البعد الأمني للزيارة لا ينفصل عن الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى استثمار التحولات الميدانية في سوريا لإعادة توظيف الفاعلين المحليين بما يخدم مصالحها في مكافحة الإرهاب وإدارة التوازنات الإقليمية الحساسة.
لقد كانت شخصية الشرع، بما تحمله من تاريخٍ ميداني متشعب، محط اهتمامٍ استخباراتي أمريكي منذ أكثر من عقد. فقد خاض مواجهات مباشرة مع القوات الأمريكية في العراق، وأدار شبكات مقاتلين عابرة للحدود قبل أن يتحول إلى فاعلٍ سياسي داخل سوريا. من هذا المنطلق، فإنّ تحويله من خصمٍ عسكري إلى شريكٍ استخباراتي يُمثّل مكسبًا مزدوجًا لواشنطن: فمن جهة، تستطيع الاستفادة من خبرته الدقيقة بتركيبة الجماعات المسلحة، وخطوط تمويلها، وآليات تحركها الميداني، ومن جهة أخرى يمكنها تحويله إلى قناة نفوذٍ استخباراتي تُمكّنها من مراقبة الداخل السوري وضبط الجغرافيا الأمنية المتوترة دون تدخلٍ مباشر. وهنا تتجسد فلسفة “الاحتواء الذكي” التي تتبناها الإدارة الأمريكية، حيث يجري استيعاب الخصم السابق داخل منظومة التعاون الأمني ليُصبح جزءًا من عملية الرقابة بدلاً من أن يكون موضوعًا لها .
على المستوى العملي، ترتكز الشراكة الأمنية المحتملة بين واشنطن ودمشق على ثلاثة محاور رئيسية:
✍️أولها تبادل المعلومات المتعلقة بتنظيم “داعش” وما تبقّى من فروع القاعدة في البادية والحدود الشرقية،
✍️وثانيها ضبط التحركات الإيرانية والمليشيات التابعة لها في الجغرافيا السورية،
✍️وثالثها المساهمة في مراقبة خطوط التهريب والتمويل التي تربط العراق ولبنان بسوريا.
وتُظهر المؤشرات أنّ واشنطن ترى في الشرع فاعلًا قادرًا على إدارة هذه الملفات بفعالية، لاسيّما بعد أن أثبتت فصائل سابقة مرتبطة به قدرتها على السيطرة الميدانية في مناطق كانت تمثل بؤر توتر مستمرة. أما بالنسبة للشرع، فإنّ هذا التعاون يُعدّ رهانًا سياسيًا وأمنيًا لتثبيت حكمه، إذ يدرك أنّ الانخراط في المنظومة الاستخباراتية الغربية يمنحه غطاءً دوليًا يصعب الاستغناء عنه، كما يحدّ من محاولات عزله داخليًا عبر إظهار نفسه كشريك ضروري في الحرب على الإرهاب .
لكنّ هذا التحول من “هدفٍ إلى شريك” لا يخلو من إشكاليات أخلاقية واستراتيجية عميقة. فمن الناحية الاستخباراتية، يثير التعاون مع شخصية كانت على تماسّ مباشر مع حركاتٍ مصنفة إرهابية تساؤلات حول مدى صدقية التحول في سلوكها الأيديولوجي، كما يطرح مخاوف داخل بعض الدوائر الغربية من أن يتحول الشرع إلى “شريك مزدوج”، يوظف المعلومات لخدمة أجندته الداخلية والإقليمية. ومن الناحية السياسية، فإنّ هذا التعاون قد يُضعف الثقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في المنطقة، خصوصًا إسرائيل وبعض العواصم الخليجية، التي قد تنظر إلى الانفتاح على الشرع كرهان محفوف بالمخاطر. لذلك تحرص الولايات المتحدة على أن تبقي التعاون الأمني في مستوى “التفاهمات التقنية” لا “التحالفات الاستراتيجية”، لتحتفظ به كأداة ضغطٍ قابلة للتعديل في ضوء تطورات الميدان والسياسة .
أما في البعد الإقليمي، فإنّ إدماج دمشق في منظومة التعاون الاستخباراتي الأميركي يهدف إلى خلق “حزام رقابة” يمتد من المتوسط حتى الفرات، يتيح لواشنطن متابعة التحركات الإيرانية وتطويق النشاطات العابرة للحدود. وفي هذا السياق، تصبح سوريا محطة رئيسية في شبكة تبادل المعلومات التي تجمع أجهزة الاستخبارات الأمريكية مع نظيراتها الإسرائيلية والتركية والأردنية، ما يعني عمليًا إدخالها في محور الردع الأمني الجديد دون إعلانٍ رسمي. هذه المقاربة تمنح الولايات المتحدة قدرة على إدارة توازن دقيق بين الاحتواء والمراقبة: فهي تمنح الشرع مساحة تحرك محدودة مقابل التزامه بتقديم المعلومات وضبط حدوده الجنوبية، لكنها تحتفظ بحقّ التدخل الاستخباراتي المباشر عند أيّ إخلال بالمعادلة.
إنّ البعد الأمني والاستخباراتي لزيارة الشرع يعكس انتقالًا جوهريًا في مفهوم “الشراكة ضد الإرهاب”، من تحالفٍ بين الدول إلى تعاونٍ مع الأفراد الذين أعادوا تشكيل مواقعهم داخل بنية الدولة الجديدة. فواشنطن، التي فشلت في بناء نظام موالٍ كامل داخل سوريا، اختارت خيارًا براغماتيًا يقوم على “احتواء العدو السابق” وتحويله إلى أداة مراقبة داخلية وإقليمية. أما الشرع، فبقدر ما نجح في كسب شرعية أمنية مؤقتة، فإنه أصبح أيضًا جزءًا من منظومة رقابةٍ معقدة تُقيد استقلالية قراره، وتحوّله من فاعلٍ متمرّد إلى “شريكٍ مشروط” في معادلة الأمن الإقليمي. هذه العلاقة، وإن بدت مكسبًا تكتيكيًا للطرفين، تحمل في جوهرها بذور تناقضٍ مستقبلي بين منطق الدولة الوطنية ومنطق الهيمنة الأمنية العابرة للحدود، وهو ما يجعلها شراكة هشّة قائمة على تبادل الضرورة لا على الثقة المتبادلة.
رابعاً: البعد الاتصالي والإعلامي صناعة صورة جديدة من الباب الخلفي.
🎯 المشهد الاتصالي
🧭 الاستراتيجية الإعلامية
🧠 التأثير النفسي والاجتماعي
🛠️ أدوات التلاعب الاتصالي
🧩 النتائج والمخاطر
يمثّل البُعد الاتصالي والإعلامي لزيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض حالة دراسية نموذجية في فنون إعادة التأطير الإعلامي وصناعة الشرعية السياسية عبر آليات بصرية وروايات متحكَمة. دخول الشرع عبر مدخل جانبي/«الباب الخلفي» للبيت الأبيض، والحرص على صور محدودة ومُعَدّة سلفًا، شكّلا جزءًا من استراتيجية تصويرية تهدف إلى تقديم حدثٍ رمزيٍّ شديد القوة بلغة مصفّاة تخفّف من إرث الرجل السابق وتقدّم رواية جديدة عن هويته ودوره. هذه الاختيارات البروتوكولية سواء كانت لأسباب أمنية أو لِحِكم توخي الحذر الدبلوماسياستُثمرت اتصاليًا لصياغة رسالة مزدوجة: الاعتراف العملي المتحسِّب من جانب القوى الدولية، مع ضبط حِدّة السرد بحيث يُبقي على هامشٍ من الشك والاختبار في عين الرأي العام .
الاستراتيجية الاتصالية التي رافقت الزيارة اعتمدت على مقاربتين متكاملتين: الأولى هي «تنقية الصورة» عبر اختيار مشاهد بصرية توحي بالرصانة الرسمية (لقاءات رسمية، بدلات رسمية، عبارات عن التعاون ضد الإرهاب)، والثانية هي «إدارة الرواية» عبر قنوات إعلامية متوازنة تجمع بين تغطية وسائل الإعلام الدولية الكبرى والتعزيز من قبل أدوات إعلامية إقليمية ودولية تابعة أو متعاطفة. على المستوى العملي، أدى هذا المزج إلى تحويل حدث صادم إلى قصة قابلة للهضم بالخطاب السياسي الغربي، بحيث أصبحت الخلفية التاريخية للرجل موضوعًا ثانويًا أمام سردية إعادة الإدماج وإمكانية الاستقرار. وقد لاحظت تقارير صحافية وتغطيات رسمية هذا التبديل في النبرة التي رافقت التغطية .
من زاوية التأثير النفسي والاجتماعي، تستهدف حملة «غسل الصورة» هذه فئتين محددتين: الجيل الشاب السوري الذي لا يتقاطع تاريخه الذهني مع كل محطات الصراع نفسها، والجمهور الدولي الذي يُفضِّل قصص التحوّل والبراغماتية على سرديات الانتقام والمساءلة. عبر استنساخ مشاهد «رسمية» وقصّ مقتطفات مختارة من تصريحات مُعادة الصياغة، تُعملَ آليات التسويق السياسي لإنتاج ذاكرة جماعية مُعدّلة تضع العلامة الحديثة (رجل الدولة) فوق العلامة القديمة (قائد ميليشيا). هذه العملية ليست بريئة؛ فهي شكل من أشكال «الحرب المعرفية» التي تستثمرُ الانقسام الزمني في الذاكرة الجماعية وتعمل على إعادة تشكيل مواقف الجمهور تدريجيًا عبر التعريض المتكرر بصيغ متوازنة .
أما أدوات التلاعب الاتصالي فتمتدّ من التحكم بالصور الرسميّة وتحرير المقاطع المصوّرة، إلى توظيف شبكات التواصل الاجتماعي والداعمين الإعلاميين لنشر «حكاية التحوّل» عبر حسابات مؤثرة؛ كما تستغلّ القنوات الرسمية السورية ووسائل إقليمية ناشرة للرواية لخلق إحساسٍ داخلي بالنجاح والإنجاز. وفي مقابل ذلك، تُستَغلّ قنوات غربية أخرى لعرض فُسحات التعاون والتحفّظات المماثلة، ما يمنح العملية ظِلًّا من المشروعية الدولية في آنٍ معًا. هذه الممارسات تُنتج في النهاية «حقلًا اتصالياً» صُمِّم لإبقاء الشك مُدارًا بطريقة تسمح بتحويل التقبل إلى تقبل عملي على الأرض .
النتائج المحتملة لهذه الاستراتيجية الاتصالية ليست محايدة؛ فهي تُسهِم في تقطيع خيوط المساءلة التاريخية وتحويل الاهتمام من آليات العدالة والمساءلة إلى أولويات الاستقرار والأمن. على المستوى المجتمعي، قد تُفضي إلى استقطاب جديد: فئة تقبل الرواية الجديدة كمدخل لإيقاف النزيف وإعادة الإعمار، وفئة رافضة ترى في ما يحدث عملية تلاعب بصور الضحايا وبذاكرة الصراع. هذا الانقسام يضع أمام الحقل السياسي مهمة صعبة تتمثل في إدارة آثار شرعية مبنية على سردٍ مصفّى بدل بنية مؤسسية حقيقية. لذا، تبقى توصية منهجية واضحة نحو تعزيز قراءة نقدية واعتماد آليات مراقبة إعلامية وتحليلية في المجتمع المدني ومراكز البحث لمواجهة مخاطرات تزييف الذاكرة وصناعة القبول السياسي عبر تقنيات الاتصال والإعلام .
الشباب السوري بين الدعاية والذاكرة: معركة الوعي في زمن ما بعد الحرب
يُشكّل الشباب السوري اليوم الفئة الأكثر تأثرًا بحملة إعادة صناعة صورة أحمد الشرع، لكونهم لم يعيشوا بعمق مرحلة تحوله من قائدٍ ميداني لجماعات مسلحة إلى رئيسٍ سياسي يتعامل مع البيت الأبيض. فهذه الفئة، التي وُلد معظمها بعد اندلاع الحرب أو خلال سنواتها الأولى، تتلقى روايتها عن الرجل عبر قنوات الإعلام الاجتماعي لا عبر التجربة المباشرة، ما يجعلها بيئةً مثالية لتأثير “الهندسة الاتصالية” التي ترافق مسار الشرع الجديد .
تعتمد الآلة الإعلامية المحيطة به على خطابٍ مزدوج يُقدِّم الشرع بوصفه نموذج “القائد الواقعي” القادر على إعادة سوريا إلى المشهد الدولي، بينما تُخفي خلف هذا الخطاب السرديات السابقة عن ممارسات الفصائل المسلحة وانقساماتها. يستخدم هذا الخطاب لغة الشباب ذاتها من الرموز الرقمية إلى المقاطع القصيرة والموسيقى التحفيزية ليغرس في وعيهم فكرة أن التحالف مع الغرب ليس خيانة، بل خطوة ذكية لإنقاذ الوطن. وهكذا يتحول الإقناع السياسي إلى عملية “تطبيع نفسي”، تُعيد تعريف البطولة والعدو والولاء، وتُحوّل قيم الثورة والمعارضة إلى مجرد شعارات قديمة .
إنّ ما يُعرف بـ“الشباب المخدوع بالشرع” ليس ظاهرة فردية بل نتيجة تراكب طويل لفراغٍ معرفي وانهيارٍ في الثقة بالنخب السياسية والإعلامية التقليدية. فمع غياب التعليم النقدي وضعف المؤسسات المستقلة، باتت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي لتشكيل الوعي الجمعي، وهو ما تستغله الأجهزة الدعائية المحترفة لتغليف السردية الجديدة بالرموز الوطنية والإنسانية. وبذلك يُعاد إنتاج الماضي في شكلٍ مزيّفٍ من البطولة، حيث يصبح المقاتل السابق “رمز الاستقرار”، ويُقدَّم التحالف مع الولايات المتحدة على أنه “الطريق إلى السيادة”، في حين يتم إقصاء الأصوات التي تحاول تذكير الأجيال الشابة بالحقائق التاريخية .
هذا الواقع يطرح تحديًا استراتيجيًا أمام المجتمع السوري ومستقبله القريب، إذ إنّ السيطرة على وعي الشباب تمثل في النهاية سيطرة على مستقبل الشرعية السياسية. إنّ مواجهة هذا التلاعب لا تكون عبر الخطاب الأيديولوجي المضاد فحسب، بل عبر بناء منظومة وعي نقدي تربط بين الذاكرة التاريخية والسياق السياسي الراهن، وتُعيد تعريف الوطنية بعيدًا عن الصور المُعلّبة التي تُنتجها الدعاية الرسمية أو الخارجية. إنّ وعي الأجيال الجديدة هو ميدان الصراع الحقيقي في سوريا ما بعد الحرب، لأنّ من يملك الوعي يملك سردية الدولة المقبلة، ومن يُخدَع في التاريخ يُخدَع في المستقبل أيضًا .
اتصاليًا، يمكن قراءة الزيارةكحملة إعادة تسويق ضخمة:
الصورة الجديدة: البدلة الرسمية، اللغة الهادئة، الحديث عن إعادة الإعمار والتحالف ضد داعش؛ كلّها عناصر في بناء “براند” جديد لشخص تم تقديمه لسنوات بوصفه تجسيدًا للتطرف. تغطية وسائل الإعلام الغربية للزيارة ركزت على “التحول غير المسبوق” أكثر من خلفيته الجهادية .
البروتوكول كرسالةالجدل حول دخوله من “الباب الخلفي الجنوبي للبيت الأبيض، وبعيدًا عن الاستعراض الإعلامي المعتاد، يعكس محاولة متوازنة: واشنطن تمنحه اعترافًا عمليًا، لكنها تحافظ على قدر من التحفظ الرمزي، وكأنها تقول: “نجرّب هذا الرجل، لا نُتوّجه كاملاً بعد.
اتهداف ذاكرة جيل شاب: شريحة واسعة من الشباب السوري (العشرينيون اليوم) لم تعش فصول الجولاني الأولى في العراق ومرحلة النصرة سوى عبر مقاطع متفرقة وخطاب مشوَّش؛ هنا تلعب الصورة الجديدة واللقاء مع ترامب دور “غسل ذاكرة رمزية”، بحيث يُعاد تعريف الرجل في المخيال العام كرئيس دولة أكثر منه قائد تنظيم جهادي سابق.
خامساً: دلالات “الباب الخلفي” وسيناريوهات المرحلة المقبلة
تمثل دلالات “الباب الخلفي” في زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض أكثر من مجرد تفصيل بروتوكولي هامشي؛ فهي تختزل رؤية الولايات المتحدة لطبيعة العلاقة مع دمشق الجديدة، وتعكس الحدود الدقيقة بين الاعتراف السياسي الكامل والقبول المشروط. فاختيار هذا المدخل، الذي لا يُستخدم عادة لاستقبال رؤساء الدول، يشير إلى رغبة واشنطن في توجيه رسالة مزدوجة: من جهة الاعتراف الواقعي بشرعية الأمر الواقع في سوريا الجديدة، ومن جهة أخرى التأكيد على أن هذا الاعتراف ما زال ناقصًا ومؤطرًا بشروط أمنية وسياسية صارمة.
بهذا المعنى، يتحول “الباب الخلفي” إلى استعارةٍ دبلوماسية تعبّر عن عودة سوريا إلى المسرح الدولي بطريقة غير رسمية وغير مكتملة السيادة، حيث تدخل من الهامش لا من الواجهة، ومن منطق الحاجة لا من منطق الشراكة المتكافئة.
🔹 من زاوية التحليل السياسي
يعكس هذا التفصيل البروتوكولي موقع سوريا في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي تسعى إلى إدماجها تدريجيًا في منظومة النفوذ الغربي ولكن ضمن حدود مضبوطة تضمن بقاء القرار السيادي السوري تحت رقابة غير مباشرة. فالدخول من “الباب الخلفي” يرمز إلى عودةٍ مؤقتة تحت التجربة، أشبه بإعادة قبول مشروط في النظام الدولي بعد عزلةٍ طويلة، حيث لا تزال واشنطن تتعامل مع دمشق بوصفها شريكًا قابلًا للاستخدام أكثر منها دولة مستقلة قادرة على صنع توازنات.
إنّ هذه الرمزية تكشف طبيعة المرحلة الراهنة التي تتسم بالتحولات الرمادية: لا حرب مفتوحة ولا سلام حقيقي، بل تسويات جزئية تبقي جميع الأطراف في حالة ترقب وانتظار، وتُبقي الباب الخلفي مفتوحًا لأي تعديل في موازين القوى.
🌍 على المستوى الاستراتيجي الإقليمي
فإنّ هذا المشهد يؤشر إلى بداية حقبة جديدة من “التفاهمات الباردة”، حيث تسعى واشنطن إلى إدارة المنطقة من خلال ترتيبات مرنة لا تقوم على التحالفات الصلبة، بل على إدماج الخصوم السابقين ضمن نظام مراقبة متعدد المستويات. وهنا تصبح سوريا، بزعامة الشرع، نقطة ارتكازٍ في مشروع إعادة صياغة المشهد المشرقي بما يضمن احتواء النفوذ الإيراني والحدّ من التمدد الروسي، مع الحفاظ على قدرة واشنطن على التدخل في الوقت المناسب.
وبذلك، تتحول الزيارة إلى إعلانٍ غير مباشر عن نهاية مرحلة الحرب المفتوحة وبداية مرحلة “الوصاية الهادئة”، التي تُدار من خلال اتفاقات أمنية واستخباراتية واقتصادية محدودة تُبقي البلاد في دائرة التأثير الأمريكي دون الاضطرار إلى مواجهة عسكرية أو التزام سياسي شامل.
في المقابل: دلالات “الباب الخلفي” بالنسبة للشرع نفسه
في المقابل، تعكس دلالات “الباب الخلفي” بالنسبة للشرع نفسه موقعه الملتبس بين الشرعية والوصاية. فالرجل الذي دخل البيت الأبيض من المدخل الجانبي يحاول أن يقدّم ذلك كمؤشر على “اختراقٍ سياسي ناجح”، بينما هو في الواقع يحمل في طياته دلالة عكسية تُبرز هشاشة موقعه واستمرار تبعيته لمعادلات القوة الدولية.
هذه الرمزية تعمّق المفارقة بين صورته الجديدة كرئيس شرعي وصورته القديمة كقائد ميداني، وتُظهر أن الانتقال من الهامش إلى المركز لم يكن نابعًا من تحوّلٍ وطني حقيقي، بل من صفقة دولية تتيح له البقاء مقابل تقديم تنازلات استراتيجية تمسّ جوهر السيادة السورية.
ومن هنا يمكن القول إنّ الشرع دخل البيت الأبيض سياسيًا من الباب الخلفي، لكنه خرج منه استراتيجيًا بديلاً مؤقتًا يُستخدم لضبط المشهد لا لتغييره جذريًا.
استشرافًا للمرحلة المقبلة وسيناريوهات التحوّل السياسي
🔹 السيناريوهات المحتملة
استشرافًا للمرحلة المقبلة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة لمآلات هذا المسار. السيناريو الأول هو سيناريو التثبيت التدريجي، حيث تنجح واشنطن في تحويل الشرع إلى شريكٍ مستقر يضمن مصالحها في سوريا مقابل دعم اقتصادي ورفعٍ جزئي للعقوبات، ما يؤدي إلى ترسيخ نظامٍ سياسي براغماتي يوازن بين الانفتاح المحدود والضبط الأمني الصارم.
أما السيناريو الثاني فهو سيناريو التوظيف المؤقت، إذ تكتفي الولايات المتحدة باستثمار الشرع مرحليًا في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، لتتخلى عنه لاحقًا حين تستنفد فائدته الاستراتيجية أو يظهر بديل أكثر قابلية للضبط.
بينما السيناريو الثالث هو سيناريو الارتداد الداخلي، وفيه يفقد الشرع السيطرة على التناقضات الداخلية بين القوى العسكرية والقبلية، فتعود البلاد إلى حالة الفوضى، مما يدفع واشنطن لإعادة النظر في رهاناتها وتفعيل أدوات الضغط مجددًا.
🌍 الرمزية الاستراتيجية لـ”الباب الخلفي”
بناءً على هذه السيناريوهات، يمكن القول إنّ “الباب الخلفي” لا يختصر فقط لحظة الدخول إلى البيت الأبيض، بل يرمز أيضًا إلى الطريقة التي ستدخل بها سوريا النظام الدولي في السنوات المقبلة: دخولٌ من الأطراف لا من المركز، تحت اختبارٍ دائم ووصايةٍ غير معلنة.
فالشرع الذي ظهر مبتسمًا أمام عدسات الإعلام في لحظة نادرة من الظهور الرسمي، لا يدرك ربما أن تلك الابتسامة قد تكون بداية فصلٍ جديد من الهيمنة الهادئة التي تُعيد إنتاج التبعية بأدواتٍ ناعمة، تُقدَّم على أنها “عودة إلى الشرعية”، فيما هي في حقيقتها عودة إلى النظام الدولي من الباب الخلفي، حيث تُدار السيادة بقدرٍ محسوب وتُحدَّد ملامح المستقبل وفق منطق المصالح لا وفق إرادة الشعوب.
⚖️ من الجهاد إلى مكتب البيت الأبيض: التحوّل الصادم
في سياق التحوّلات الجيوسياسية الراهنة، يمثّل صعود أحمد الشرع من قائد ميداني لجماعة جهادية إلى ضيفٍ في المكتب البيضاوي واحدةً من أكثر المفارقات السياسية إثارة للدهشة في الشرق الأوسط المعاصر. هذا التحوّل لا يُقرأ بوصفه مجرّد انتقالٍ فردي من السلاح إلى السياسة، بل كترجمةٍ لمرحلة جديدة في العقل الاستراتيجي الأميركي القائم على إعادة تدوير الخصوم واستثمار الرموز السابقة في صياغة توازنات إقليمية بديلة.
فالرجل الذي كان يُنظر إليه لسنواتٍ كأحد أبرز الوجوه الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد الشام، صار اليوم محاورًا شرعيًا في ملفاتٍ كانت حتى وقتٍ قريب تُدار عبر الوسطاء أو من وراء الستار.
الرسائل الأميركية المتعددة الاتجاهات
تسعى واشنطن، من خلال هذا التحوّل، إلى إرسال رسائل متعدّدة الاتجاهات: فهي من جهة تُعلن براغماتيةً جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية لـ”من هو الحليف ومن هو العدو”، ومن جهةٍ أخرى تُعيد رسم خريطة النفوذ في المشرق من بوابة “التحوّل المراقَب” لقادة سابقين في الحركات الإسلامية.
في المقابل، يقدّم الشرع نفسه على أنه تجسيدٌ لمشروع “الاعتدال الواقعي”، مراهناً على ذاكرةٍ دوليةٍ قصيرة وعلى قدرة الإعلام الغربي في إعادة تشكيل الصورة الذهنية له من قائدٍ ميداني إلى “رجل دولة” قادرٍ على إدارة مرحلة ما بعد الحرب في سوريا.
🔍 الأبعاد الأخلاقية والسياسية للتحوّل
غير أنّ هذا التحوّل يحمل في طيّاته أبعادًا أعمق من مجرد لقاء بروتوكولي في البيت الأبيض. فهو يطرح تساؤلاتٍ حول طبيعة السياسة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، وحول حدود التلاعب بمفاهيم الشرعية السياسية والأخلاقية. كما يسلّط الضوء على هشاشة المعايير الدولية في تصنيف “الإرهاب” و“الشرعية”، إذ يمكن لرجلٍ وُضِع اسمه على لوائح الإرهاب أن يُصبح في ظرفٍ قصير شريكًا استراتيجيًا تُعقد معه الاتفاقات وتُبرم التفاهمات.
📸 هندسة الصورة والتموضع الجديد
يبدو أن أحمد الشرع أدرك لحظة التحوّل في المزاج الدولي تجاه الملف السوري، فعمل على هندسة صورته كزعيمٍ “معتدل” يتحدّث بلغة الدولة والمؤسسات، ويتبنّى خطاب الاستقرار ومكافحة التطرف، مستفيدًا من الإرهاق الغربي تجاه استمرار الفوضى في سوريا. هذا التموضع الجديد ليس اعترافًا دوليًا فحسب، بل هو إعادة إنتاجٍ كاملة لمعنى “الانتصار السياسي” في زمن ما بعد الأيديولوجيا.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يكفي أن يبدّل القائد ثوبه ليغسل ذاكرته؟
أم أنّ التحوّل من الجهاد إلى المكتب البيضاوي هو مجرّد فصلٍ جديد في لعبة القوة، حيث لا تُمحى الخطايا بل تُعاد صياغتها في قوالب المصالح؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على قدرة الشرع على تحويل رمزية الحدث إلى سياسة واقعية، وعلى استعداد القوى الدولية لتحمّل كلفة “تبييض” ماضيه، في عالمٍ لم يعد يفرّق كثيرًا بين الخلاص بالرصاص والخلاص بالدبلوماسية .
السؤال الذي يحمل حقيقية المشهد السوري عن كيف يمكن للشعب السوري أن يصدق أحمد الشرع هو سؤال جوهري يتجاوز البعد الأخلاقي إلى البعد السياسي والنفسي والاجتماعي معًا، لأن الشرعية في السياق السوري لم تعد تُمنح بالخطاب أو بالوعود، بل تُبنى على المصداقية المتراكمة في الألم والدمار والتجربة الجماعية. فالشعب السوري الذي عاش عقودًا من الخداع السياسي والانقسامات، بات أكثر وعيًا بطبيعة التحولات المفاجئة التي تفرضها توازنات الخارج أكثر مما تصنعها إرادة الداخل. ومن ثمّ فإن قبول الشرع ليس نتيجة إيمانٍ ببراءته، بل نتيجة تعبٍ وواقعيةٍ فرضتها سنوات الحرب الطويلة .
🜂 في مرآة الذاكرة السورية
❖ الرمزية الملتبسة
في المخيال الجمعي السوري، يظلّ أحمد الشرع رمزًا ملتبسًا: فالبعض يرى فيه قائدًا براغماتيًا نجح في تفادي مصير فصائلٍ أخرى انتهت بالتصفية أو التهميش، بينما يراه آخرون انتهازيًا سياسيًا تخلّى عن مبادئ الجهاد والثورة بمجرد أن لاحت له فرصة الجلوس إلى طاولة الكبار. هذا الانقسام يعكس أزمة الثقة الأعمق في المجتمع السوري: أزمة بين جيلٍ أنهكته الحرب ويريد الاستقرار بأي ثمن، وجيلٍ يرى أنّ أي تسوية لا تمرّ عبر العدالة والاعتراف بالماضي هي مجرد خيانة جديدة تُضاف إلى سلسلة الخيانات .
❖ رجل الدولة الممكن أم وجهٌ قديم بثوبٍ جديد؟
الشرع يحاول أن يقدّم نفسه بوصفه “رجل الدولة الممكن”، مغيرًا خطابه من لغة العقيدة إلى لغة الإدارة، ومن فقه الغزو إلى فقه الحوكمة. لكنه يواجه معضلة لا يمكن إخفاؤها: كيف يُقنع من رأوا راياته تُرفع فوق مشاهد الحرب بأنه اليوم حاملٌ لمشروع بناء الدولة؟ فالمشكلة ليست فقط في صورته القديمة، بل في ذاكرةٍ جمعيةٍ لم تُشفَ بعد من صور السلاح والخطف والدم. الشعب السوري الذي عايش كل أطياف العنف صار يملك ذاكرة رقمية وشهادات حيّة، ولا يمكن محوها بزي رسمي أو بمصافحة في البيت الأبيض .
❖ الكرامة قبل الخطاب
بعبارةٍ أخرى، لن يصدق السوريون الشرفاء أحمد الشرع ما لم يشعروا أن الدولة التي يعد بها مختلفة عن “الإمارة” التي حكم بها، وأن سلاحه السابق لم يُدفن فقط في التراب، بل في الوعي والسياسة. إنهم لن يصدقوا الخطاب قبل أن يلمسوا العدالة، ولن يمنحوا الثقة إلا لمن يستطيع أن يردّ الكرامة، لا لمن يبدّل الراية .
✦ الخاتمة ✦
إنّ زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض لم تكن مجرد لحظة سياسية عابرة، بل كانت أشبه بزلزالٍ في الجغرافيا الاستراتيجية للشرق الأوسط، عنوانه العريض: “الواقعية الأميركية تعيد تدوير أعدائها”. لقد دخلت سوريا النظام الدولي من الباب الخلفي، لكنها خرجت منه بوجهٍ جديد رسمته القوى الكبرى على مقاس مصالحها. وما بين صورة الشرع وهو يجلس في المكتب البيضاوي، وذاكرة السوريين عن الرجل حين كان يقود فصائل مسلحة تحت رايات الجهاد، تتجسد المفارقة الكبرى لزمنٍ تذوب فيه الحدود بين العدو والحليف، بين الثورة والتسوية، وبين السيادة والوصاية .
في تلك اللحظة التي أُغلقت فيها أبواب البيت الأبيض أمام الكاميرات، فُتحت في المقابل أبوابٌ جديدة للوصاية السياسية والأمنية، تُدار من خلف الستار تحت شعار “الاستقرار ومكافحة الإرهاب”. وهكذا، لم تكن الزيارة اعترافًا بسوريا كدولة، بل كانت اعترافًا بموقعها الوظيفي الجديد ضمن هندسة القوة الأميركية في المشرق. أما الشعب السوري، الذي قُدّمت له الرواية على شكل نصرٍ دبلوماسي، فكان ضحيةً أخرى في مسرح الخداع السياسي والإعلامي، إذ لم يُدرك بعد أنّ دخوله “من الباب الخلفي” لم يكن انتصارًا، بل عودةً مشروطة إلى عالمٍ لا يمنح الشرعية إلا لمن يخدم معادلاته، لا من يصنع تاريخه بيده
وهكذا، يُختتم المشهد كما بدأ:
ببوابةٍ جانبيةٍ تُخفي خلفها صفقاتٍ أكبر من الشعارات، وتُعيد تعريف معنى الانتصار والهزيمة في زمنٍ صار فيه “الجلوس مع العدو” عنوانًا للحكمة، و”الدخول من الباب الخلفي” رمزًا لشرعيةٍ منقوصة تُدار بقرارات الآخرين. إنها لحظةٌ تختصر مأساة أمةٍ دخلت التاريخ من النوافذ الصغيرة، بينما تُغلق أمامها الأبواب الكبرى للكرامة والسيادة
إنّ مصير الشعب السوري في هذه المرحلة الدقيقة يُعبّر عن مأساة الوعي الجمعي حين يتعرّض للتلاعب المنهجي عبر الإعلام والدعاية السياسية. فبعد أكثر من عقدٍ من الدماء والانقسامات، يجد السوريون أنفسهم أمام مشهدٍ مشوّهٍ تتبدّل فيه الوجوه، وتبقى البُنى العميقة للهيمنة على حالها. لقد تحوّل أحمد الشرع إلى “بطلٍ مصطنع” بفعل ماكينةٍ إعلامية بارعة استطاعت توظيف الإحباط الشعبي وحاجته إلى رمزٍ وطني، لتُقدّمه في صورة المنقذ، فيما يتمّ تغييب ماضيه المسلح وصلاته السابقة بالجماعات المتطرفة، وتُغسل ذاكرته الجماعية بمهارةٍ عبر سردية جديدة صُمِّمت خصيصًا لتخدم مصالح القوى الكبرى .
في خضمّ هذه الفوضى الخطابية، يتراجع دور الإعلام التوعوي الذي كان يفترض أن يكون حارس الحقيقة وصوت الوعي الوطني. فبدل أن يمارس الإعلام وظيفته في التفكيك والتحليل، أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من شبكة النفوذ، يتغذى من تمويلات مشروطة ويعيد إنتاج السرديات المفروضة. إنّ غياب إعلام حرّ ومستقل جعل المجتمع السوري رهينةً للخطاب الدعائي، وأفقده القدرة على التمييز بين المعلومة والتحريض، بين البطل الحقيقي والعميل المقنّع، وبين الاستقلال والسيطرة المقنّعة .
إنّ استعادة الوعي الوطني لا تبدأ من السلاح ولا من السياسة، بل من إصلاح منظومة الاتصال وبناء إعلام نقدي يُعيد للسوريين القدرة على قراءة واقعهم بأنفسهم. يجب أن يتحول الإعلام من أداة تزييف إلى فضاءٍ للتثقيف، ومن منبرٍ للتمجيد إلى مساحةٍ للمساءلة، تُعرض فيها الحقائق بجرأة وتُناقش فيها السياسات بموضوعية. فالشعب الذي يُخدع مرتين لا يُلام بقدر ما تُلام النخب التي صمتت، والوسائل التي ارتضت أن تكون جزءًا من اللعبة. وفي النهاية، إنّ إنقاذ الوعي السوري هو الشرط الأول لإنقاذ سوريا نفسها، لأنّ الأوطان لا تضيع بالاحتلال وحده، بل تضيع أكثر حين يُختَطف وعي أبنائها باسم الأبطال المزيّفين والشعارات الخادعة .
ان سوريا كانت ولن تتوقّف عن كونها «قلب العالم العربي» من ناحية الجغرافيا السياسية والرمزية، كما أن الصراع على هيمنتها يجري ضمن لعبة كبرى تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية من موسكو إلى واشنطن — التي لا تتورّع عن توظيف شخصيات وأدوات تؤمّن لها نفوذاً واستقراراً وظيفيّاً على حساب سيادة الشعوب وحقّها في تحديد مصيرها. لذا، فإنّ ما يجري من «تطييب صور» و«تنشيف ذاكرة» و«غسل سيكولوجي» للشباب ليس حدثاً عارياً أو عرضياً، بل جزء من مشروع منهجي لإعادة إنتاج السلطة وشرعنتها باستخدام أدوات الاتصال والدعاية والتلاعب العاطفي .
إنّ ما يجري في سوريا اليوم يتجاوز حدود السياسة إلى عمق المعركة على الوعي. فبلدٌ كان يومًا قلب العالم العربي، تحوّل بفعل التلاعب الإعلامي والسياسي إلى ساحةٍ مفتوحة لتجريب أساليب الهيمنة الناعمة. إنّ الشرع الذي رُوّج له كبطلٍ منقذ لم يكن سوى وجهٍ جديد لمرحلةٍ قديمة تُعاد صياغتها بأدوات مختلفة، تمامًا كما تحاول واشنطن اليوم أن تُعيد هندسة المنطقة عبر “بوابات خلفية” تغسل الماضي وتُجمّل التبعية. وبين عقيدةٍ جهاديةٍ استُخدمت يومًا لاستقطاب الشباب، وعقيدةٍ براغماتيةٍ جديدة تُقدَّم اليوم باسم الاستقرار، يبقى الشعب السوري هو الضحية الأولى لهذا الخداع الممنهج
لقد حان الوقت لأن يستفيق السوريون من سبات الدعاية، وأن يدركوا أنّ الوعي هو خطّ الدفاع الأخير عن كرامة الوطن. فالمعركة لم تعد بالسلاح، بل بالعقل، ولم تعد بين نظامٍ ومعارضة، بل بين الحقيقة والوهم، بين من يريد إعادة بناء سوريا على أساس السيادة، ومن يسعى لإبقائها رهينة في لعبة المصالح الكبرى. إنّ خلاص سوريا لن يأتي من البيت الأبيض ولا من موسكو، بل من وعي أبنائها وإصرارهم على استعادة دورها كقلبٍ نابضٍ للعالم العربي، لا كجسدٍ تائهٍ بين الولاءات والوصايات. فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تُخدع مرتين، بل يكتب مجده لأولئك الذين يستعيدون وعيهم، ويحوّلون الخداع إلى بصيرة، والخذلان إلى نهضة.
❓ يبقى السؤال المفتوح:
هل دخلت سوريا فعلًا إلى مرحلة جديدة من الدولة، أم أن ما دخل البيت الأبيض من الباب الخلفي هو نسخة محدثة من منطق الميليشيا، لكن بربطة عنق وغطاء دولي؟
أبرز النقاط والتحليلات
📌 لقاء الشرع–ترامب يجسّد انتقالًا من الخصومة العقائدية إلى الشراكة البراغماتية وصياغة جديدة للمشهد السوري.
📌 “إعادة تدوير الفاعلين” نهج أمريكي لتحويل خصوم سابقين إلى أدوات استقرار ضمن معادلة مكافحة الإرهاب.
📌 انهيار ثنائية “العدو _الشريك” يعكس واقعية سياسية جديدة تُعيد تعريف التحالفات وفق مصالح القوة لا المبادئ.
📌 دخول سوريا من “الباب الخلفي” إلى البيت الأبيض يرمز إلى عودة مشروطة تحت رقابة غير معلنة.
📌 واشنطن تعيد هندسة توازنات المشرق على حساب النفوذ الروسي والإيراني مستفيدة من شخصية الشرع.
📌 إعادة تعريف المعارضة السورية: تراجع الائتلافات التقليدية لصالح “رئيس الأمر الواقع” برعاية دولية.
📌 لبنان من أكثر المتأثرين: تثبيت “استقرار هشّ” يرسّخ تفوّق إسرائيل العسكري بدعم من واشنطن.
📌 تنسيق استخباراتي غير مباشر لضبط الجبهة السورية–اللبنانية ضمن منظومة ردع أميركية–إسرائيلية.
📌 الرقابة المزدوجة على لبنان: طائرات إسرائيلية فوق ورقابة أميركية عبر دمشق الجديدة.
📌 محاور الشراكة الأمنية: متابعة داعش والقاعدة، رصد التحركات الإيرانية، وضبط خطوط التهريب عبر الحدود.
📌 “الاحتواء الذكي”: دمج الخصم السابق داخل المنظومة الأمنية بدل مواجهته المباشرة.
📌 خطر “الشريك المزدوج”: احتمال توظيف الشرع للمعلومات لخدمة أجنداته الخاصة.
📌 الردع المتكامل: ربط أمن سوريا بإسرائيل والخليج ضمن استراتيجية أميركية متعددة المستويات.
📌 تحويل سوريا من “دولة صراع” إلى “دولة ممرّ” لتقييد النفوذ الإيراني والتركي.
📌 “العودة الذكية” لواشنطن تعتمد على القوة الناعمة والتحالفات الانتقائية لا الغزو المباشر.
📌 الإعلام والدعاية يصنعان “رجل الدولة الجديد” عبر تنقية الصورة وإدارة السردية.
📌 استهداف الجيل الشاب بخطابٍ رقميٍ حديث يغسل الذاكرة ويُطبع التحالف مع الغرب.
📌 “الوصاية الهادئة”: ترتيبات مرنة واتفاقات تقنية تُبقي القرار السوري مراقَبًا من الخارج.
📌 ثلاثة سيناريوهات للمستقبل: تثبيت تدريجي، توظيف مؤقت، أو ارتداد داخلي يعيد الفوضى.
📌 المعركة على الوعي لا على السلاح: الإعلام ساحة الصراع الحقيقي في سوريا ما بعد الحرب.
📌 الدخول من الباب الخلفي = عودة مشروطة إلى النظام الدولي ضمن هندسة القوة الأميركية.
المصدر / pravdatv

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.