استقلال يتيم… ودولة عاجزة عن ردّ الاعتداء

 استقلال يتيم… ودولة عاجزة عن ردّ الاعتداء
استقلال يتيم… ودولة عاجزة عن ردّ الاعتداء

 استقلال يتيم… ودولة عاجزة عن ردّ الاعتداء
ودولة عاجزة عن ردّ الاعتداء

نرفع الأعلام كل عام، ونستعيد ذكرى 22 تشرين الثاني كما لو أن لبنان يعيش استقلاله بكل عناصره، لكن الحقيقة أكثر قسوة من الاحتفالات. أيّ استقلال يمكن لدولة أن تحتفل به فيما هي عاجزة حتى عن ردّ الاعتداء الصهيوني المتواصل على أرضها وحدودها وبيوت أهلها؟ الاستقلال ليس نشيدًا على المنابر ولا بروتوكولًا يتكرر، بل قدرة فعلية على حماية الأرض وصون السيادة واتخاذ القرار من دون خوف ولا ضغط ولا انتظار إشارة من الخارج. فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن توقف قصفًا يتكرر منذ سنوات، ولا تملك الوسائل الكافية لفرض ردع أو حتى لتثبيت معادلة دفاعية واضحة، فكيف يمكن لنا أن نتحدث عن استقلال مكتمل؟


لبنان اليوم يعيش في واقع سياسي واقتصادي وأمني مهترئ، جعل الدولة شبه مشلولة، تتلقى الضربات من العدو الصهيوني وهي بالكاد تملك صوت الاعتراض. لم يعد السؤال: هل الدولة عاجزة؟ فالأمر لم يعد يحتمل التلطيف. الدولة عاجزة بالفعل، وعجزها أصاب جوهر دورها الطبيعي، خصوصًا حين تُترَك حدودها الجنوبية مكشوفة، ويُترَك الجنوب وحده في مواجهة نار العدو. هذه ليست دولة تفتقر إلى الوسائل فحسب، بل دولة فُرِغَت من قدرتها، وقُيِّد قرارها، وتوزّع نفوذها بين الداخل والخارج، حتى باتت لا تمسك زمام السلم ولا الحرب.


وفي قلب هذا المشهد يقف الجيش اللبناني، المؤسسة التي يُفترض أن تكون عمود الدولة وضامن سيادتها، وهو اليوم يواجه فقرًا لم يعرفه في تاريخه. جنود يعيشون على رواتب لا تكفي لأساسيات الحياة، ثكنات تتحمّل ما لا تتحمله، معدات لا تليق بجيوش تحمي أوطانًا، فيما الدولة تتفرج. جيش فقير في وطن مهدّد، وهذا الفقر ليس صدفة، بل نتيجة سنوات طويلة من الإهمال والقرارات الخاطئة. ومع ذلك، يُطلب من هذا الجيش أن يضعف العدو، وأن يردّ الاعتداء، وأن يثبت القوة بينما أُعجِز عن أبسط مقومات الصمود.


ومع هذا كلّه، لا يزال البعض يصرّ على الاحتفال. لكن أي احتفال يمكن أن يغطي على واقع دولة لا تستطيع أن تحمي حدودها؟ ما معنى الاستقلال إذا كانت الأرض تُقصف، والسيادة تُخرق، والقرار الوطني يُحاصر؟ إن الفجوة بين الاحتفال والواقع أكبر من أن تُطمَر بكلمات رسمية أو عروض عسكرية رمزية. كيف نحتفل بدولة عاجزة عن ردّ اعتداء صهيوني واضح ومعلن، بات جزءًا من يوميات الجنوب اللبناني؟


ومع أن الدولة ضعيفة، والجيش فقير، والقرار ممزّق، إلا أنّ الناس لم يتخلّوا عن فكرة لبنان. الجنوب لم يتوقف عن الصمود، واللبنانيون لا يزالون يقاتلون من أجل كرامةٍ لم تمنحهم إياها الدولة. وربما ليس لدينا استقلال كامل، لكن لدينا شعب يؤمن أنه يستحقه. الاستقلال الحقيقي لا يأتي من ذكرى مكتوبة، بل من قدرة وطنه على أن ينهض، ومن دولة تعرف كيف تردّ الاعتداء، ومن جيش لا يُترك فقيرًا ولا وحيدًا.


ولعلّ يومًا يأتي نحتفل فيه باستقلال يشبه الحقيقة، لا الأمنيات. استقلال يصنعه قرار سيادي حقيقي، ودولة قوية، وجيش قادر، ووطن يردّ الاعتداء كما يليق بتاريخ وكرامة شعبه.


ريما فارس

تعليقات