بـيـن شـريـعـة "حـمـورابي" والشـرائـع السـمـاويـة بقلم د.عـلـي أحـمـد جـديـد
بـيـن شـريـعـة "حـمـورابي" والشـرائـع السـمـاويـة بقلم د.عـلـي أحـمـد جـديـد
كـان حَـمـورابـي الأعـظـم بـيـن ملـوك المـشـرق في بـلاد مـا بـيـن النـهـريـن ، كما كان بـاني حـضـارة "بـابـل" التي حَكـمَـهـا ما بـيـن 1792- 1750 قبـل الميـلاد ، وقـد صوّرتـه النقـوش والأختـام رجـلاً يفيض حماسةً وعبقريـة ، وعاصفة هوجاء في ساحات القتـال ، حيث يمـزّق الأعـداء ويهزم جيوشهم شر هزيمة ، وقائداً ناجحاً في توحيد الدويلات التي كانت تتحارب فيما بينها علىٰ امتداد حدوده ، ونجح في رفع راية السلام شامخة ، ووطَّد صروح الأمن والنظام والقانون تحت راية تشريعاته التاريخية الفريدة .
وبالرغم من كثرة حروبه لم يكن يهتم كثيراً بترسيخ بيروقراطية الدولة التي تأثرت بمزاجه الشخصي ، حيث كان هدفه الاحتفاظ بنهر الفرات وإبعـاد منافسيه ، وقهر الشعوب التي تأبىٰ الخضوع له ، وإن أعظم ما أنجزه كان نجاحه بنقل مسرح الأحداث في بلاد مابين النهرين من الجنوب إلىٰ الشمال ، حيث بقي هناك لألف سنة .
لم يكن حمورابي أول مشرع قديم ، كما يبين الباحث (موسكاتي) في كتابه "الحضارات السامية القديمة"، فلقد سبقه بنحو قرنين من الزمان ملك "أشنونا" بقانونه المعروف باسم "بيلالاما" (Bilalama) إضافة إلىٰ قانون سومري آخر هو قانون "لبيت عشتار". كما كان هناك عددٌ من القوانين السومرية القديمة التي ترجع بتاريخها إلىٰ نحو 2050 قبل الميلاد والتي تسمىٰ بقوانين "أورنمو" ، لكن تشريعات حمورابي وحدها بقيت المتميزة والمعروفة والخالدة .
"يقدِّم القانون البابلي صورة مثلىٰ للقانون المتشبع بروح العدالة ، لأن في ثناياه أحكام صارمة لحماية الضعيف من ظلم القوي وتسلطه عليه ، ونتبين في قواعده ما يحقق أوجه العدالة الاجتماعية . لأن شريعة حمورابي المؤلفة من 282 مادة تناولت كل جوانب الحياة بتفاصيل ومفردات تدهش بدقتها وبتنظيمها ، كما هو عنف العقوبات الرادعة فيها ، وقد استهل حمورابي شريعته بصيغة أقرب للشعر منها إلىٰ الكتابة النثرية المعروفة ، وفيها يذكر كيف دعاه الإلـٰه (مردوخ) لنشر العدل في البلاد والقضاء علىٰ الشر والخبث ، وأن لا يستعبد القوي ضعيفاً . ثم يستعرض بكل فخر ألقابه وأعماله العسكرية والعمرانية والتعبدية ، وقدرته علىٰ تحرير سكان المدن ، ثم يتضرع حمورابي للآلهة بالدعاء إلىٰ الملوك الذين سيأتون بعده ليطبقوا قوانينه بالعدل وليحافظوا عليها من المجرمين والدساسين والمشبوهين حيث يستنزل عليهم جميعا لعناته .
لقد كانت لـ"شريعة حمورابي" أهميتها الكبرىٰ والعالمية في تاريخ القانون ، حيث تتناول التشريعات كل القضايا الأسرية والاجتماعية ، إضافة إلىٰ الجرائم المرتكبة ضد الممتلكات .
وكذلك قضايا الزراعة والرعي والتجار
وفي المجال الأسري أكدت تشريعات حمورابي علىٰ شرعية عقد الزواج ، إذ نصت المادة 128 على :
* "إذا اتخذ رجل من امرأة زوجة له دون أن يجري لها عقداً ، فلا تعتبر هذه المرأة زوجة له" .
وعاقب القانون العلاقات غير الزوجية في نَصِّ المادة 129:
* "إذا ضُبطت زوجة في أحضان رجل آخر ، قُيَِّد الاثنان ، وأُلقيا في النهر ، وإذا شاء الزوج الغفران لزوجته بإبقائها علىٰ قيد الحياة ، كان للملك عندئذ أن يُبقي علىٰ حياة خادمه ، أي الزاني" .
* "إذا اتهم زوج زوجته بالخيانة الزوجية ، ولم يضبطها مع عشيقها ، وجب عليها أداء القسم أمام الإلـٰه علىٰ براءتها والعودة إلىٰ دار الزوجية" .
* "إذا طعن شخص بإيماءة منه شرف زوجة رجل آخر ، ولم تثبت صحة اتهامه ، استُقدِمَ أمام القضاة ودُمغت جبهته بعلامات مميزة" .
وأباحَ حمورابي في تشريعاته تعدد الزوجات في بعض الحالات ، ففي المادة 141 :
* "إذا اعتزمت زوجة تعيش في كنف زوجها الخروج من البيت لتمارس عملاً يسيء إلىٰ سمعة زوجها ويدمر الراحة المنزلية ، ويثبت عليها ذلك ، كان لزوجها أن يطلقها دون أن يترتب عليه أي التزام ، أما إذا لم يشأ الزوج تطليقها ، جاز له الزواج بامرأة ثانية واستبقاء زوجته الأولى أمَةً في منزله" .
* "إذا لم تكن الزوجة كَيِّسَةً في تصرفاتها ، وتسعىٰ إلىٰ الخروج من المنزل والحَطِّ من شأن زوجها وتخريب بيتها ، عوقبت بإلقائها في الماء" .
وكانت عقوبة من يمارس السحر في شريعة حمورابي :
* "إذا اتهم شخص شخصاً آخر بممارسة السحر وعجز عن إثبات التهمة ، وجب على المُتَّهِم أن يرمي نفسه في النهر ، فإن ابتلعه كوفئ المدعي بممتلكات المُتَّهِم ، أما إذا برّأ النهر ساحته وخرج منه حياً ، عوقب غريمه بالموت وأعطيت أمواله للمُتَّهِم" . وكان يعاقب بالموت كل من يدلي بشهادة كاذبة في دعوىٰ عقوبتها الموت "ولم يستطع إثبات شهادته" . أو "من يسرق أموالاً تعود ملكيتها للإلـٰه أو القصر" . لأن الموت كان عقوبة أي شخص يسرق ثوراً أو خروفاً أو حماراً أو قارباً ، ويعجز عن دفع الغرامة التي حددتها التشريعات بعشرة أضعاف قيمـة ما سرق ، وكان الموت جزاء كل من يتّهم شخصاً بتهمة القتل ثم يعجز عن إثبات التهمة .
كما نَصَّت قوانين الملك البابلي علىٰ قطع يد الطبيب "إذا أحدث أثناء عملية لمريض جرحـاً بليغاً أو قام بفتح محجر عينيه بمشرط برونزي سبب تَلَفاً في العين" .
والحلاق أيضاً كان يتعرض للعقوبة نفسها "إذا قام بإزالة علامات فارقة لعبد بدون علم مالكه وبما يؤدي إلىٰ عدم معرفته" ، لأن الحلاقين كانوا إلىٰ عهد قريب يقومون ببعض الأعمال الجراحية ، ومنها الختان .
وتقول المادة 195 :
* "إذا ضرب ولد أبـاه ، قُطِعت يداه" كما ذُكِرَت عقوبة قطع اليد في البند 253 لجريمة أخرىٰ :
* "إذا استأجر شخص شخصاً آخر وعينه مشرفاً علىٰ حقله ، وقدم له البذور والحبوب وجهزه بالثيران وتعاقد معه علىٰ زراعة الحقل ، ثم قام هذا الشخص بسرقة البذور والمحاصيل وضبطت عنده تُقطَعُ يده
ولما كان للحانات دورها البارز في النشاط التجاري نبهت المادة 109 بأنه :
* "إذا حصل تجمع لمتآمرين في دار بائعة الخمر ولم تبلغ عنهم لإلقاء القبض عليهم وتسليمهم إلىٰ القصر ، عوقبت بالموت" .
وفي مادة أخرى :
"إذا رفضت صاحبة الحانة قبول الحبوب ثمناً لمشروباتها أو تلاعبت في أثمان المشروبات إزاء ما يقابلها من أوزان الفضة وأكيال الحبوب ، عوقبت رمياً في النهر إذا ثبتت عليها التهمة" .
وتضمنت شرائع حمورابي توجهات أسرية متميزة كما في المادة 166، التي تقول: "إذا قام شخص بتزويج أبنائه جميعاً باستنثاء ابن قاصر ، ثم مات الأب ميتة طبيعية واقتسم الأولاد الميراث ، وجب علىٰ الأولاد المتزوجين جميعاً إعطاء أخيهم القاصر غير المتزوج ، من النقود ما يساوي مقدار الصداق علاوة علىٰ نصيبه في الميراث".
وعن توريث البنات قالت تشريعات هذه القوانين :
* "إذا وهب والد ابنته هدية موثقة علىٰ رقيم ، ولكنه لم يثبت لها علىٰ الرقيم من هو وريثها ، ولم يمنحها حق التصرف ، ثم مات أبوها ميتة طبيعية ، انتقلت ملكية الحقل والبستان إلىٰ إخوتها ، وتُعطىٰ مقابل حصتها حبوباً وسمناً وصوفاً ، وبما ينال رضاها" .
والملاحَظ أن تشريعات حمورابي كانت تتسم في العديد من بنودها بالقسوة البالغة في عقوبة جرائم الرضاعة بقطع أثداء المرضعة (194) ومشاكل التبني بقطع اللسان واقتلاع العين (192 و193) .
والواضح أنَّ حمـورابـي الملك الشهير وواضـع القـوانـيـن الأُولىٰ فـي التـاريـخ ، لم يكن يومـاً يَدَّعي النـبـوّة ، لأنـه لـم يكن نبيّـاً ، لكن "موسىٰ وعيسىٰ ومحـمّـد" عليهم السلام كانوا أصحاب شرائـع إلـٰهيـة ، لأنـهـم أنبيـاء ومعـهـم كتـبـهـم الإلـٰهـيـة المـقـدَّسـة التي كانت من مصدرٍ واحـد هـو "اللـٰه" تعالىٰ جلَّ جلاله . ولو كان حـمـورابي قد ادّعىٰ النبوة ، لكانت شريعته في مُقدّمة التشريعات القانونية المقدَّسة في تاريخ الوجود والقيم ، ولأصبحت هي مصدر التشريع في تطبيق كل الشرائع من بعده ، ولكان تطبيقها اليوم أفضل من كل القوانين الوضعية التي تَدَّعي الحكام تقديسها وهم أبعد ما يكونون عنها ، لأن العبرة ليست في تقديس التشريعات الموضوعة والدساتير ، ولا حتىٰ في مصدرها ، بل في قدرتها علىٰ تطبيق العدالـة في خدمة الإنسان والقِيَـم ، كما طبَّقـهـا حمـورابي ، لأن تشريعاته فخر القوانين الإنسانية .
كانت تشريعات حمورابي البابلي من 282 مادة قانونية ، بينما كانت شريعة النبي موسىٰ عليه السلام المعروفة اليوم تنحصر في توراتي العهد القديم (العبرانيـة) والتوراة السامرية اللتين تبدآن بسفر التكوين وتنتهيان أساساً بسفر التثنية ، إضافـة لما جـاء في العبرانيـة من الأسفار و مزامير داود والأمثال . وكانت شريعة النبي عيسىٰ عليه السلام
من المفيد التشبث في الميت القديم .
وتسقط الأنظمة اليوم نتيجة تصرفات غير صحيحة ولا تَعي
أن التقدم يخضع لقانون التحدي والاستجابة والمعرفية ، وليس للقبيلة أو المذهب أو العائلة ولا لخرافات التكهن في التطبيق .

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.