عاشوراء.. حين انتصر الدم على السيف بقلم : بقلم الاعلامية بدور الديلمي
عاشوراء.. حين انتصر الدم على السيف بقلم : بقلم الاعلامية بدور الديلمي
ليست عاشوراء ذكرى عابرة في سجل التاريخ، وليست حادثة تُروى ثم تُطوى صفحاتها مع مرور الزمن، بل هي قضية أمة، وصوت حقٍ ما زال يتردد في ضمير الإنسانية منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. ففي ذلك اليوم العظيم، لم تقف كربلاء شاهدًا على معركة بين جيشين فحسب، بل شهدت مواجهة فاصلة بين مشروعين؛ مشروعٍ أراد أن يجعل من الدين وسيلةً للسلطة، ومشروعٍ حمل راية الحق مهما بلغت التضحيات.في صحراء كربلاء وقف الإمام الحسين بن علي عليه السلام أمام خيارين لا ثالث لهما: الخضوع للباطل أو التضحية من أجل بقاء الحق. ولم يكن الحسين يجهل حجم القوة التي تواجهه، ولا كان يجهل المصير الذي ينتظره، لكنه كان يعلم أن الصمت على الظلم أخطر من الموت نفسه، وأن الأجيال القادمة تحتاج إلى موقفٍ يوقظ الضمائر ويحفظ جوهر الرسالة المحمدية من التحريف.
لقد أراد الطغاة أن يُخضعوا الأمة بالخوف، وأن يجعلوا من القوة معيارًا للحقيقة، لكن الحسين عليه السلام قلب المعادلة كلها. خرج بعدد قليل من أهل بيته وأصحابه، لا يملك جيشًا جرارًا ولا ترسانةً من السلاح، لكنه امتلك ما هو أعظم من ذلك كله؛ امتلك الإيمان العميق بعدالة قضيته، والثبات الذي لا تهزه الجيوش، واليقين بأن التضحية في سبيل الله هي طريق الخلود.
في عاشوراء سقطت الأجساد، لكن المبادئ بقيت واقفة. قُتل الرجال، لكن الرسالة لم تُقتل. أُضرمت النيران في الخيام، لكن نور القضية ازداد اشتعالًا. ظنّ القتلة أنهم أنهوا الحسين حين أسقطوه شهيدًا على أرض كربلاء، غير أنهم اكتشفوا متأخرين أن الحسين تحول إلى مدرسةٍ خالدة، وأن الدم الذي أريق في كربلاء أصبح لعنةً تطارد الظالمين عبر التاريخ.
إن أعظم ما في عاشوراء أنها نقلت الصراع من حدود الجغرافيا إلى فضاء القيم الإنسانية. فالحسين عليه السلام لم يعد رمزًا لطائفة أو شعب أو زمان، بل أصبح رمزًا عالميًا لكل من يرفض الذل، ولكل من يقف في وجه الطغيان، ولكل من يؤمن بأن الكرامة أثمن من الحياة نفسها.
ومن هنا بقيت كربلاء حاضرةً في وجدان الأحرار. كلما ارتفع صوت الظلم تذكرت الشعوب موقف الحسين، وكلما حاول الطغاة مصادرة إرادة الناس عادت عاشوراء لتذكرهم بأن القوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع قتل الحقيقة. فالحق قد يُحاصر، وقد يُحارب، وقد يدفع أصحابه أثمانًا باهظة، لكنه لا يموت.
لقد علمتنا عاشوراء أن الانتصار ليس دائمًا في البقاء على قيد الحياة، بل قد يكون في الثبات على المبدأ. وعلمتنا أن الهزيمة الحقيقية ليست في خسارة المعركة، وإنما في خسارة القيم. ولهذا انتصر الحسين رغم استشهاده، وهُزم قاتلوه رغم كثرتهم وسلطانهم.
إن الأمة التي تستلهم عاشوراء لا يمكن أن تستسلم للظلم، ولا أن تقبل بالهوان، ولا أن تنسى مسؤوليتها في نصرة المظلومين. فعاشوراء ليست موسمًا للبكاء فقط، بل محطة للتأمل في معاني الحرية والعدل والشجاعة، ودعوة متجددة للوقوف مع الحق مهما كانت التضحيات.
وهكذا بقيت كربلاء منارةً تهدي الأجيال، وبقي الحسين عليه السلام صوتًا خالدًا يعلن في وجه الطغيان أن الدم الزكي أقوى من السيف، وأن المبدأ الصادق أبقى من العروش، وأن طريق الكرامة وإن كان مليئًا بالآلام، فإنه الطريق الذي يصنع الخلود.
سلامٌ على الحسين، يوم حمل راية الحق، ويوم ارتقى شهيدًا، ويوم بقيت ثورته نبراسًا للأحرار في كل عصر وزمان.
بقلم: الإعلامية اليمنية بدور الديلمي
صحفية وباحثة في الشؤون السياسية والإقليمية

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.