«حزب الله يُعيد بناء قوته… والسلطة تتسرّع نحو سلام مشروط»
«حزب الله يُعيد بناء قوته… والسلطة تتسرّع نحو سلام مشروط»
بقلم الإعلامية / ريما فارس
في قلب المشهد اللبناني الراهن تتجلى مفارقة مؤلمة: حزب أعاد ترتيب هيكله وقدراته بعد الحرب الأخيرة، ودولة رسمية تسرع نحو بوادر سلام قد تتحول إلى استسلام مقنع. هذه المفارقة ليست مجرد تناقض تكتيكي، بل لحظة مصيرية تحدد مصير لبنان: هل يخرج من الصراع بسلام يحفظ السيادة والكرامة، أم بترتيبات تهدر الدماء وتحوّل النصر الميداني إلى هزيمة سياسية؟
لم يكن ما قامت به المقاومة مجرد جمع للقطع المتناثرة بعد الحرب، بل كان ترميمًا منظمًا على مستويات متعددة، من إعادة هيكلة القيادة واستعادة القدرات اللوجستية إلى تطوير تكتيكات دفاعية ذكية تجعل أي عدوان مكلفًا جدًا للعدو. الهدف كان واضحًا، تحويل الخسائر المادية إلى رافعة سياسية تحمي لبنان وتحوّل أي اعتداء إلى معركة باهظة الثمن.
هذه المعادلة تجعل من خطاب الانكسار العسكري مضللاً، لأن قوة الردع لم تعد تُقاس بعدد المعدات بل بقدرة التنظيم على فرض معادلات سياسية تكبح أي مغامرة إسرائيلية.
على الجانب الآخر، تتحرّك أجزاء من السلطة وكأنها تريد إنهاء الصراع بسرعة بأي ثمن. خطاب تجنّب الدمار قد يكون صادقًا أو ذريعة لتسليم مفاصل السيادة. الخطر مزدوج، أولاً أن تتحول أي مفاوضات إلى شرعنة للاحتلال تحت غطاء سلام، وثانياً أن ينقسم الداخل السياسي بين من يبارك التطبيع ومن يحمي الكرامة الوطنية.
بينما يعيد حزب الله بناء رادعه، تسرع السلطة في تحويل النصر العسكري إلى تنازلات سياسية، ما يضع لبنان على طريق هزيمة سياسية محتملة.
ليس هناك وصفة سحرية، لكن يمكن العمل وفق استراتيجية متكاملة تجمع بين الردع، الوحدة الوطنية، وضمانات تحمي السيادة. استمرار المقاومة في تطوير قدراتها الدفاعية بذكاء وتهديف انتقائي يرفع كلفة أي عدوان، مع تجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة غير محسوبة. إطلاق وثيقة وطنية قصيرة المدى توحّد الموقف السياسي وتضع خطوطًا حمراء واضحة حول السيادة اللبنانية. رفض أي اتفاق يشرعن الاحتلال أو يفرض تطبيعاً قبل تحقيق مكاسب فعلية للبلد، مع التركيز على الحلول الداخلية والضغوط الدولية المتوازنة. العودة إلى تجارب الماضي أظهرت أن أي تسوية بلا مراعاة لموازين القوى على الأرض تتحوّل إلى هزيمة سياسية، والاعتماد على التوازن بين الردع والمفاوضات المشروطة.
يبقى لبنان أمام مفترق طرق، إما أن يتحول النصر العسكري إلى هزيمة سياسية بفعل تسرع رسمي، أو أن يشكّل الردع المقاوم رافعة تحمي السيادة وتؤسس لسلام حقيقي يحترم دماء الشهداء ومكتسبات الوطن.
ريما فارس

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.