الشهيد الشيخ راغب حرب: المعلّم الأول الذي صاغ النصر نحو القدس
الشهيد الشيخ راغب حرب: المعلّم الأول الذي صاغ النصر نحو القدس
![]() |
من جبل عامل إلى القدس: الولادة التي حوّلت الاسم إلى مشروع، والولاية إلى طريق، والدم إلى بوصلة، والمقاومة إلى عقيدة أمة وحقّ وقدر.
مقدمة : ليس كل شهيد مؤسساً:
ليس كلُّ شهيدٍ مؤسِّسًا، ولا كلُّ دمٍ يملكُ القدرةَ على التحوّل إلى طريقٍ تاريخيّ.
لكنّ الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، لم يكن فردًا في سِفر الشهداء، بل كان المفتتحَ العقائديَّ والعمليَّ لزمنِ المقاومة.
هو الرجل الذي حوّل الرفضَ من شعورٍ مكبوتٍ إلى منظومة فعلٍ جماهيريّ، وجعل من الكلمة سلاحًا، ومن الموقف هندسةَ صراع.هو الشيخ الذي سبق البندقية بالعقيدة، وسبق التنظيمَ بالوعي، وسبق النصرَ بالشهادة.
جبل عامل وجبشيت: الجغرافيا التي تنجب المقاومين والمشروع:
يُعدُّ جبل عامل في جنوب لبنان معقلًا تاريخيًّا ومركزًا أصيلًا للمقاومة ضد الغزاة، جبلًا شامخًا كشعبه، عنيدًا كصخوره، ووفِيًّا لتاريخه وهويته. في هذا الجبل، لم تكن الثقافةُ نقيضَ القتال، ولا التدينُ بديلاً عن المواجهة، بل امتزج الاثنان ليُنتجا وعيًا مقاتلًا. إنه أرض العلماء المجاهدين، حيث الفقه موقف، والفتوى بندقية، وحيث لم يكن الإسلام يومًا حيادًا، بل انحيازًا صريحًا للحق.
وهو ذاكرة فقه وجهاد، ومختبر وعي وثورة.
من هذا الجبل، ومن بلدة جبشيت تحديداً – عروس النبطية، البلدة التي قدّمت قرابة ١٦٠ شهيدًا، القرية الجنوبية التي لقّنت الاحتلال دروس الكرامة، القرية التي تحوّلت إلى مختبرٍ مبكّر لكسر هيبة الاحتلال، القرية التي خرجت من ضيق المساحة إلى سعة التاريخ – تشكّلت ملامح الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه. جبشيت جهادية، ذات عمق تربوي واجتماعي، تحوّلت منذ 1982 إلى مختبر للمقاومة الشعبية.
منها خرج شيخ شهداء المقاومة.
لم تُنجب جبشيت رجلاً فقط، بل أنتجت مشروعًا.
تحليل الاسم: البيان الثوري المكثف والبرنامج الجهادي:
لم يكن اسم "راغب حرب" عنوانًا شخصيًا أو مصادفة، بل كان بيانًا ثوريًا مكثّفًا و برنامج عمل جهاديًا متكاملاً:
· الشيخ: أي العالِم الذي حوّل الفقه إلى وعي مقاتل، وربط الدين بالتحرير لا بالمساومة.
إنه العالم الذي حمل الإسلام من النص إلى الفعل، و حمل الدين من المحراب إلى الخندق.
الشيخ ليس لقباً شكلياً، بل وظيفة قيادية.
جسّد الوقار، والعلم، والحكمة، والقيادة الأخلاقية.
كان شيخ مواجهة، يحلّ النزاعات، ويبني المؤسسات، ويربط الدين بالفعل. كان المرجع الشعبي الذي يثق به الناس، ويستمدّون منه شرعية العصيان على المحتل.
· راغب: أي المختار بإرادته لطريق الرفض، الرافض للذل، الراغب بالشهادة لا بالسلام الزائف.
إنه من اختار الرفض ورفض الاختيار الزائف بين الذل والحياة.
"راغب" لم يكن اسمًا، بل اتجاهًا: راغب في الله، راغب في الشهادة، راغب في الحرية.
طموحه لم يقف عند تحرير قرية، بل كان يفكر: كيف نُخرج إسرائيل من فلسطين… لا من لبنان فقط؟
· حرب: أي الصراع المفتوح مع الاحتلال، لا بوصفه طارئًا أمنيًا، بل قدرًا تاريخيًا.
هو من أعلنها صراعًا مفتوحًا مع الاحتلال، لا هدنة فيه ولا مساومة.
"حرب" ليست فوضى دم، بل خيار استراتيجي ضد الاحتلال، حرب على الخوف، وعلى الوهم، وعلى الاستسلام.
إنها مواجهة أخلاقية ضد الاحتلال والتطبيع والخوف وأنصاف الحلول.
هو رجل الشدة حين يجب، والحزم حين يُطلب، والقيادة حين تتراجع الصفوف.
وبهذا الثالوث (الشيخ – راغب – حرب)، صاغ الشهيد، رضوان الله عليه، مشروعًا كامل الأركان، لم يبدأ بالبندقية، بل بالوعي، ولم ينتهِ باستشهاده، بل بدأ فعليًا من دمه.
الامتداد الصدري والجذور التأسيسية:
إن الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، هو الثمرة المباركة للزرع الذي وضعه الإمام موسى الصدر في نفوس أهل الجنوب.
فإذا كان الإمام الصدر هو من أسس لمشروع المقاومة والتحرر، فإن الشهيد الشيخ راغب هو من قدم دمه ليروي هذا الغرس.
وغالباً ما يربط علماء جبل عامل بين صلابة الإمام الصدر ومواقف الشيخ راغب، إذ وصفه علماء المجلس الشيعي بـ: "الشيخ راغب هو البركان الذي تفجر من سكون الجنوب الذي زرع فيه الإمام الصدر روح العزة.
هو الذي حوّل فتوى الإمام (إسرائيل شر مطلق) إلى فعل ميداني يراه العدو في كل زاوية."
الشيخ محمد مهدي شمس الدين، رضوان الله عليه، رفيق درب الإمام الصدر والذي وضع حجر الأساس لـ "مبرة السيدة زينب" التي أدارها الشهيد الشيخ راغب، قال عنه: "إن الشيخ راغب حرب كان يمثل نموذج العالم الذي أراده الإمام الصدر؛ العالم الذي يسكن في قلوب الناس، ويحمل هموم اليتيمات واليتامى، ولا يخشى في الله لومة لائم.
لقد كان الشيخ راغب صوتاً صارخاً بالحق في زمن الصمت."
لقد جسد الشهيد حرفياً وصية الإمام الصدر: "إذا التقيتم العدو الإسرائيلي فقاتلوه بأظافركم وبأسنانكم وبسلاحكم مهما كان وضيعاً.
" كما شهد قادة ميدانيون عاصروا تلك الحقبة: "لقد رأينا في الشيخ راغب تلك العباءة الصدرية التي تجول في القرى؛ لم يكن يفرق بين مقاوم ومقاوم، كان يرى أن كل رصاصة تطلق على إسرائيل هي رصاصة مقدسة."
الرئيس نبيه بري، تحدث عنه كرمز وطني جامع قائلاً: "الشيخ راغب حرب هو شيخ الشهداء، وهو القامة التي لم تنحنِ إلا لله.
إن مواقفه في جبشيت كانت تمثل نبض الصدر فينا، وكان رفضه للمصافحة هو أبلغ تعبير عن كرامة الإنسان الجنوبي."
الوعي المقاوم التأسيسي وكسر وهم المصافحة:
انطلق الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، من معركة الوعي، مدركاً أن الاحتلال يسكن العقول قبل أن يحتل الأرض، وأن الاحتلال لا يُهزم بالسلاح وحده، بل بكسر الخوف من القلوب.
كان أخطر ما يريده العدو هو الاعتراف النفسي قبل السياسي.
لذلك، ثبت قاعدة رفض أي شكل من أشكال التواصل مع الاحتلال، واعتقد أن المصافحة ليست سلوكًا بروتوكوليًا، بل إقرارًا بشرعية الكيان.
كان واضحاً وحاسماً: المصافحة اعتراف، والاعتراف خيانة وسقوط. وها هو يُجسد شعار الإمام الصدر "إسرائيل شر مطلق" ميدانياً عبر قاعدة "المصافحة اعتراف".
وفي زمن الاستسلام، قال كلمته الخالدة والتأسيسية التي هزت الوجدان الجنوبي: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت، فلا تخافوها».
لقد زرع في الناس قناعة أن العدو كيان طارئ، و أسقط أخطر أسلحة العدو: الخوف.
هذا الوعي هو ما أكده الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، بقوله: «حين تسقط هيبة العدو في النفوس، يبدأ العد التنازلي لوجوده»، و «نحن قوم إذا قررنا لا نُهزم، لأن الهزيمة تبدأ من الداخل»، و «نحن قوم لا نُهزم لأننا لا نُهزم نفسيًا». وهو ما جعله من أوائل من أسسوا لثقافة الرفض المطلق، ثقافة تقول إن العدو لا يُدار… بل يُقاوَم.
الولاية كمحرك حضاري وتحويل الدين إلى مشروع مواجهة:
ارتبط الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، بالولاية للإمام الخميني، لا كاصطفاف سياسي أو شعار، بل كمرجعية ثورة على الطغيان و كخيار فكري وثوري و كخيار حضاري لمواجهة الاستكبار.
رآها امتدادًا للإسلام المحمدي الأصيل و الامتداد الطبيعي لنهج الأنبياء في مواجهة الطغاة.
كان يرى في الإمام الخميني نموذج الفقيه القائد الذي أعاد للإسلام دوره التاريخي في كسر الطغيان.
هذا الفهم حوّل الولاية إلى عقيدة تحرر، ومحرك للمقاومة لا إلى شعار تعبئة.
وقد لخّص الشهيد السيد عباس الموسوي، رضوان الله عليه، هذا بقوله: «نحن أبناء ولاية ترى أن الصمت على الظلم جريمة، وأن مقاومته عبادة».
من هذا المنطلق، قدّم الشيخ قراءة ثورية للإسلام، حول الدين من طقس إلى مشروع مواجهة، و قدم الإسلام كهوية مواجهة لا كطقس منزوي.
كان يؤكد أن الإسلام الذي لا ينتج مقاومة هو إسلام منزوع الفاعلية، وأن الصلاة التي لا تنتج موقفًا مقاومًا هي صلاة ناقصة الوعي.
وهذا ما صاغ وجدان المقاومة، كما قال الشهيد السيد عباس الموسوي، رضوان الله عليه: «نحن أبناء مدرسة ترى في الإسلام مشروعًا لمواجهة الطغيان»، و «نحن حركة إسلامية جهادية، نؤمن أن الإسلام يرفض الظلم ويأمر بمقاومته».
لقد كان الشهيد راغب حرب، رضوان الله عليه، هو الجذر والجسر الذي عبرت عليه المقاومة من الإيمان الفردي إلى الفعل الجماعي المنظم.
الكيان الإنساني: الأب الحنون والمرشد الروحي:
تكشف لنا ابنته الكبرى السيدة حوراء صورة إنسانية نادرة للشهيد.
كان الأب الحنون ذو الروح المرحة الذي لم تكن حدته محصورة إلا في مواجهة العدو.
وقد ربّاهم على محبة الله والصلاة بالتحبيب .
في بيته، ألغى الأنانية من قلوب أولاده عندما أحضر مجموعة من اليتيمات للسكن معهم، وأوصاهم بالمساواة والاهتمام الخاص بهن، فكان يقسم محبته بين الجميع بالتساوي.
أهم صفة فيه كانت حضور الله في داخله، وكان ملتزماً بالعبادة منذ سن العاشرة، لا تفوته صلاة في أول وقتها.
عندما يُحذَّر من الخطر، كان يردد بتوكل: "الأعمار بيد الله والنصر من الله".
غرس الولاء للإمام الخميني في قلوب أطفاله، فعرفهم به قبل انتصار الثورة، وكانوا يتابعون أخبار الثورة وينشدون سوياً.
طقوس العائلة كانت روحانية وجهادية، ففي مشوار السيارة العائلي، كانوا يبدؤون بالفاتحة والصلاة على النبي ثم ينشدون "أحب الصلاة وأشتاقها". وصوته يتردد في البيت: "يا فتى الإسلام.. يا بنات الإسلام المجاهدات".
كسر الهيبة والجرأة الشعبية وثقافة الردع:
كان الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، أول من كسر حاجز الرهبة الشعبية، و خلق بيئة ترى الجندي الصهيوني كغاصب لا كقدر.
رفض أي شكل من أشكال التطبيع، معتبراً أن الاعتراف بالعدو بداية الهزيمة.
في زمن الرهبة، وقف ليقول: «لن نعترف بإسرائيل، ولن نمنحها شرعية، ولن نخضع لها».
و تجرأ على مخاطبة جنود العدو وجهًا لوجه، لا بلغة التوسل، بل بلغة التحقير السياسي والمعنوي.
هذا الموقف صنع الجرأة الشعبية، و مهد لثقافة الردع.
الجرأة التي انطلقت منها العمليات الأولى لم تكن عسكرية فقط، بل ثمرة خطاب ديني ثوري أسسه في القرى والناس.
وهذا ما تحول لاحقاً إلى عقيدة ثابتة في حزب الله، عبر عنها الشهيد عماد مغنية، رضوان الله عليه: «مع هذا العدو لا حلول وسط… إما مقاومة أو خضوع»، و «حين يسقط الخوف، يسقط التفوق»، و «ما بُني على العقيدة لا يُكسر بالقوة».
لقد انتقلت المقاومة من الهمس إلى الجهر، ومن رد الفعل إلى الاشتباك الدائم.
من مقاومة النخبة إلى مقاومة الأمة والشعب:
آمن الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، أن المقاومة لا تُختزل في المقاتلين، بل تبدأ من البيئة الحاضنة. سعى إلى تحويل المقاومة من عمل سري معزول إلى خيار شعبي عام، وبناء مقاومة شعبية واعية تشارك فيها القرى قبل الوحدات، والأمهات قبل المقاتلين.
أراد مقاومة أمة، لا مقاومة نخبوية أو أفراد.
كان يخاطب الناس كشركاء في القرار والتضحية، لا جمهورًا للتصفيق.
وهذا ما أكده الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، لاحقاً: «هذه المقاومة هي مقاومة شعب بأكمله، وليست تنظيمًا معزولًا»، و «هذه المقاومة ليست حزبًا فقط، بل بيئة ووعي وخيار أمة»، و «هذه المقاومة خرجت من الناس، وعاشت مع الناس، وستبقى للناس».
وهكذا، تحولت جبشيت وجبل عامل إلى خزان لا ينضب للرجال والوعي، وإلى خزان استراتيجي للمقاومة.
لقد خرجت المقاومة التي انتصرت لاحقًا من البيئة التي صنعها: بيئة الإيمان والوعي والكرامة.
الاستشهاد تحول استراتيجي وتحرير للمعنى:
حين اغتيل الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، لم يُغتَل المشروع، بل تحرّر من الجسد.
كان استشهاده لحظة تحول تاريخي، لا خسارة.
أراد العدو إسكات الصوت، فحوّله إلى تحوّلٍ دائم.
لقد أطلق دمه مسارًا متسارعًا، وكان أول توقيع بالدم على وثيقة الاستمرار. تحول الدم إلى خطاب، والجنازة إلى مدرسة، والغياب إلى حضور مضاعف. وأصبح الاستشهاد جزءًا من هندسة النصر.
كما قال الشهيد السيد عباس الموسوي، رضوان الله عليه: «الشهداء لا يغيبون، بل يتحولون إلى بوصلة»، و «دماء الشهداء لا تطفئ المسيرة، بل تسرعها»، و «دماء الشهداء هي التي ترسم حدود الوطن».
الامتداد العائلي والذاكرة الحية:
لم تكن عائلة الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، على هامش المعركة، بل في قلبها.
ابنته حوراء لم تكن شاهدة صامتة، بل صوتًا امتداديًا واعيًا لمشروع والدها الشهيد.
تقول في شهادتها العاطفية: "بالرغم من وجود الوالدة والأعمام، إلا أن فقد الوالد كان شديد الوطأة.
الشيخ غاب بجسده لكن فكره وكلماته ما زالت موجودة، وهو حاضر في حياتنا أكثر من أي إنسان آخر."
"ترك لنا الشيخ راغب إرثاً كبيراً من محبة الناس واحترامهم.
تعلمنا منه أسس الثورة وما تحتاجه وما يجب أن نقدمه للإسلام.. نحن لا نعيش ذكراه يوماً في السنة، بل نعيش توجيهاته في كل لحظة."
هذا يثبت أن المقاومة ثقافة أسر، لا بطولة أفراد، و ثقافة حياة، لا ثقافة موت، و ثقافة متوارثة، تُورَّث كما تُورَّث القيم الكبرى.
لقد تحولت الذاكرة إلى استمرار حي لمشروع الشهيد.
من التأسيس الفكري إلى الإنجاز العسكري:
الإنجاز العسكري للمقاومة لم يكن سابقًا للفكرة، بل نتاجًا طبيعيًا لها.
ما حققه حزب الله من انتصارات (تحرير 2000، صمود 2006) لم يكن معجزة عسكرية أو قفزة في الفراغ أو وليد الصدفة، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأه الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، وثمرة فكر زرعه.
لقد وضع هو القاعدة الفكرية، فجاء من بعده من حولها إلى تكتيك، ثم إلى استراتيجية، ثم إلى معادلة ردع إقليمية.
الشهيد عماد مغنية، رضوان الله عليه، كان التعبير العملياتي عن هذا الفكر، و الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، هو التعبير القيادي والسياسي عنه.
وهذا ما عبر عنه القادة بأنفسهم: الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، قال: «نحن لا نحمي لبنان فقط، نحن نغير وجه الصراع في المنطقة»، و «نحن نراكم القوة لأننا نعرف أن الطريق طويل… لكن نهايته القدس»، و «نحن نراكم القوة لأن المعركة طويلة، لكننا نعرف وجهتها: القدس».
القدس البوصلة والغاية التي لا تغيب:
منذ البداية، لم تغب القدس عن وعي الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه.
كانت حاضرة في كل ما كتب وقيل عنه، لا كشعار، بل كغاية نهائية وهدف استراتيجي.
فهم مبكراً أن أي مقاومة لا تتجه إلى القدس، ستتحول إلى حراسة حدود وستتآكل ذاتيًا.
لذلك، ربط الصراع بفلسطين والقدس، و جعل مشروعه مفتوح الأفق، عابرًا للجغرافيا.
وهذا ما التزم به حزب الله، عبر خط المقاومة الذي وصل إلى فلسطين، و خطابه العابر للحدود، و معادلة "محور المقاومة" التي جعلت القدس مركز الصراع لا هامشه.
لقد بدأ هذا الخط من وعي مبكر لمؤسسين رأوا الصراع صراع أمة لا حدود.
الخاتمة : القدس البوصلة التي تربط اليمن ولبنان في غزة وتحرير المقدسات
إن حزب الله، بقيادة الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، لم يفعل سوى تحقيق ما كتبه الآخرون بالدم والفكرة.
هو ترجمة عملية لفكر الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، و تنفيذ أمين لوصيته التاريخية، و وفاء لخط الولاية التي آمن بها.
والأجمل في مسيرة هذه المقاومة أن السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، سَلَّمَ مشعل المقاومة - الذي أشعله بشير النصر الشهيد راغب حرب - إلى السيد عبدالملك الحوثي (يحفظه الله)، ليكمل دور المعلم الأول في أكمال الطريق الذي صاغه الشيخ حرب بدمه وفكره.
وهكذا تنتقل البوصلة وتتواصل المسيرة، لتربط اليمن ولبنان في ساحات العزة، وتلتقي إراداتها في غزة، وتتوحد قلوبها نحو تحرير المقدسات.
لم يكن هذا المسار خروجًا عن المشروع، بل تنفيذًا له وتحقيقًا للفعل. من رفض المصافحة والاعتراف، إلى الالتزام بالولاية، إلى تحويل الاستشهاد إلى قوة، إلى صناعة الردع، إلى جعل القدس بوصلة لا شعارًا، اكتمل مشروع بدأ من جبل عامل، ومر بجبشيت، واستقر في معادلات النصر، وامتد بقلبه النابض إلى صنعاء، وبات صوته المدوي يتردد في سماء فلسطين.
وهكذا، لم يكن الشهيد الشيخ راغب حرب، رضوان الله عليه، ذكرى تُستعاد، بل مشروعًا يُنفَّذ ومشروعًا حيًّا.
لم يمت، بل صار طريقًا.
لقد صاغ النصر حين صاغ الوعي، وحين ارتقى شهيدًا، سلّم الراية لجيلٍ أثبت أن الدم لا يضيع، وأن المشاريع التي تُبنى على العقيدة لا تموت، بل تنتصر... وتواصل المسير نحو القدس، حيث تلتقي بنادق الجنوب وصواريخ اليمن، ويشتبك الإيمان بالحديد، لتحرير الأقصى والمقدسات.
وما زال يصوغ النصر نحو القدس.
لم تَعُدْ ذِكرى استشهادِ الشيخ راغب حرب، رضوانُ اللهِ عليه، محطةَ حزنٍ أو وقفةَ استذكارٍ عابرة، بل تحوّلت إلى منارةٍ هاديةٍ نحو القدس، تُضاءُ كلَّ عامٍ بوعيٍ متجدد، وتُقرأُ بوصفها إعلانَ اتّجاهٍ لا طقسَ عزاء.
لقد خرجت الذكرى من إطار الزمن إلى وظيفة الرسالة، ومن سرديّة الفقد إلى هندسة الطريق، فأصبحت بوصلةً تُذكّر الأمة أن الدم الذي سُفك في جبشيت لم يكن نهاية رجل، بل بداية مسار. في كل عام، تُعيد هذه الذكرى إنتاج معناها: أن المقاومة ليست ردَّ فعلٍ مؤقت، بل خيارٌ تاريخي، وأن القدس لم تكن شعارًا مُضافًا لاحقًا، بل كانت حاضرة في لحظة الشهادة الأولى.
وهكذا، صار استشهاده زمنًا مفتوحًا، ورايةً لا تُنكّس، ومنارةً تُشير دائمًا إلى جهة واحدة: نحو القدس


تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.