إلى متى ستبقى العدالة مغيبة في هذه الأرض المقدسة التي تتوق إلى العدالة والسلام؟ بقلم المطران عطا الله حنا

 إلى متى ستبقى العدالة مغيبة في هذه الأرض المقدسة التي تتوق إلى العدالة والسلام؟ بقلم المطران عطا الله حنا
إلى متى ستبقى العدالة مغيبة في هذه الأرض المقدسة التي تتوق إلى العدالة والسلام؟ بقلم المطران عطا الله حنا

 إلى متى ستبقى العدالة مغيبة في هذه الأرض المقدسة التي تتوق إلى العدالة والسلام؟ بقلم المطران عطا الله حنا

إلى متى ستبقى العدالة مغيبة في هذه الأرض المقدسة التي تتوق إلى العدالة والسلام؟

القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني المظلوم إنما يمران اليوم بحقبة لربما هي الأخطر والأعقد في تاريخ شعبنا الحديث.

فمنذ عام 1948 وحتى اليوم، والفلسطينيون يتعرضون للمؤامرات من كل حدب وصوب بهدف تصفية قضيتهم والنيل من عدالة هذه القضية، وهي قضية شعب حي يعشق الحياة والحرية.

ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو ترتيب أوضاعهم الداخلية. وأنا لست محللًا سياسيًا، ولكن المختصين في هذا الشأن يعرفون جيدًا مواضع الخلل والضعف والترهل، ويعرفون أيضًا أن مسألة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي أصبحت مسألة في غاية الأهمية، وخاصة في هذه الأوقات العصيبة.

إنها مفارقة غريبة أن نرى العالم الغربي، الذي كان قبل سنوات يقف بشكل شبه كلي ضد قضيتنا، اما اليوم فنشهد تغييرات دراماتيكية في أكثر من مكان في هذا العالم، فالعالم يتغير لصالح الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، وتزداد رقعة أصدقاء شعبنا في كل مكان.

والسؤال الذي يُطرح: متى سيتغير واقع الفلسطينيين وحالهم لصالحهم ولصالح قضيتهم؟ فوسائل التواصل الاجتماعي مليئة بخطاب التشهير والتخوين، وهو خطاب يكرس الانقسامات التي هي من الأسباب الأساسية لما وصلنا إليه اليوم.

الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى مزيد من الانقسامات والتشرذم والوهن، بل هم بحاجة إلى إصلاحات جذرية هادفه لاصلاح البيت الفلسطيني من الداخل. فالعالم يتغير لصالحنا، أما الحال الفلسطيني فهو في حالة تراجع، وفيه مواضع خلل ووهن في أكثر من مكان وأكثر من موضع.

المظاهرات تجوب العالم تضامنًا مع فلسطين وشعبها المظلوم، أما الفلسطينيون فهم منهمكون بخلافاتهم الداخلية؛ فهذا يحرض على ذاك، وهناك من يخون، وهناك من يوزع شهادات في الوطنية.

الفلسطينيون اليوم ليسوا بحاجة لمن يوزع شهادات في الوطنية، ولا لمن يحرض ويخوّن ويشهّر، بل هم بحاجة إلى مبادرات خلاقة لترميم الحالة الفلسطينية وإصلاحها نحو ما هو أفضل.

لا يكفي أن يتضامن العالم معنا، ولا يكفي أن تزداد رقعة الوعي في العالم تجاه عدالة قضيتنا، فالحاجة ملحة اليوم لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وبدلًا من تكريس الانقسامات يجب العمل على توحيد الصفوف، بناءً على الانتماء الوطني والثوابت الوطنية والهوية العربية الفلسطينية.

إن ارتهان بعض الفلسطينيين للخارج ولأجندات خارجية، بعيدًا عن الانتماء الوطني النقي، هو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

ولكن هنا وجب التوضيح بأنه لا يجوز أن يعيش الفلسطينيون حالة استسلام وقنوط ويأس. فصحيح أن الحالة الراهنة في غاية السوء، ولكن هذا لا يجوز أن يكون حافزًا ومؤديًا إلى إغراق الفلسطينيين في ثقافة اليأس والإحباط والقنوط، بل يجب أن يكون عاملًا مشجعًا من أجل إجراء التغيير المطلوب، والإصلاحات المطلوبة، وترتيب البيت الفلسطيني لكي يكون أبيًا وقويًا تجاه مشاريع تصفية القضية الفلسطينية.

من يتابع تصريحات السياسيين الإسرائيليين يلحظ أن القاسم المشترك فيما بينهم أنهم لا يريدون دولة فلسطينية، ولا يريدون أن ينعم الفلسطينيون بالحرية، بينما القاسم المشترك الذي يجب أن يوحد الفلسطينيين هو العمل على تحقيق أمنيات وتطلعات شعبنا، الذي قدم كماً هائلاً من التضحيات، وهو يستحق أن يعيش بحرية وكرامة وسلام.

نشعر بالألم والحزن على ما يحدث في غزة، ففاجعة غزة ونكبتها المروعة يجب أن تكون حافزًا لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وكذلك ما يحدث في الضفة الغربية، التي تحولت إلى سجن كبير تحيط به البوابات والحواجز العسكرية وأسوار الفصل العنصري.

أما ما يحدث في القدس، فحدث ولا حرج، فالقدس مستهدفة في كافة تفاصيلها.

نستذكر كلمات خالدة في الكتاب المقدس، وهي أننا يجب أن نفرح مع الفرحين، وأن نتألم مع المتألمين. وكنائسنا في هذه الديار تعيش الألم مع هذا الشعب المظلوم، ومع المسيحيين المستهدفين كما يُستهدف كافة أبناء شعبنا.

صوت الكنيسة في هذه الأرض كان وسيبقى صوتًا نبويًا مناديًا بالحق والعدالة، فالحياد أمام المظالم التي يتعرض لها الإنسان يتنافى مع القيم المسيحية، ومن أراد أن يكون مسيحيًا حقًا فعليه أن يكون مدافعًا عن الإنسان المظلوم والمنكوب والمعذب في هذه الديار وفي كل مكان.

اليوم هو يوم أحد، ويوم صلاة وعبادة وتقوى، ويوم مكرس من أجل التماس النعم والبركات الإلهية. ونحن نتمنى من كل الكنائس في هذا المشرق وفي هذا العالم ألا تنسى فلسطين في صلواتها وأدعيتها، ففلسطين هي أرض القيامة والفداء والنور، وهي بقعة مباركة في هذا العالم تتوق إلى العدالة والحرية والسلام.

صلوا من أجل فلسطين وشعبها المنكوب، وأضيئوا شموعكم لعلها تنير الطريق أمام الكثيرين في هذا العالم لكي يعودوا إلى إنسانيتهم، ولكي يكون انحيازهم للمظلومين، وليس للظالمين على حساب الإنسان المظلوم.

ننادي الكنائس المسيحية في عالمنا بأن ترفع الصوت عاليًا من أجل تحقيق العدالة المغيبة في أرض مقدسة ومباركة، حاضنة للتاريخ والمقدسات والعراقة والأصالة.

ونقول للكنائس المسيحية في العالم: عندما تدافعون عن فلسطين، فإنكم تدافعون عن أقدم وأعرق حضور مسيحي في هذا العالم، وتدافعون عن أرض تحتضن أهم المقدسات المسيحية في العالم، كما أنكم تدافعون عن أنبل وأعدل قضية عرفها التاريخ الإنساني الحديث.

نعلم جيدًا أن المواقف الصحيحة والمبدئية والأخلاقية في عالم اليوم لها ثمن، ومن يدافعون عن فلسطين قد يدفعون أثمانًا باهظة بسبب انحيازهم لقضية عادلة تجسد القيم الإنسانية.

لا تخافوا من قول كلمة الحق في هذا الزمن الرديء، لأن الرداءة التي نعيشها يمكن أن تتبدل وتتغير بازدياد رقعة أولئك المؤمنين بقيم العدالة واحترام حقوق الإنسان.

إن وجودنا في زمن رديء ليس قدرًا لا يمكن تبديله أو تغييره، فكل شيء في هذا العالم يمكن أن يتغير وأن يتبدل نحو الأفضل، وهذا يحتاج إلى الوعي والرصانة والحكمة والعودة إلى المبادئ الإنسانية والأخلاقية والروحية النبيلة.

ستبقى أجراس كنائسنا في القدس تقرع، كما هي تكبيرات مساجدنا، فكنائسنا ومساجدنا، كما وكل أزقة وشوارع القدس العتيقة، شاهدة على تاريخ عريق، وعلى معاناة شعب وآلام إنسان يستحق أن يحيا بحرية وكرامة وسلام.

سيبقى خطابنا خطاب المحبة الذي يوحد ولا يفرق، فنحن نرفض مظاهر العنصرية والكراهية بكافة أشكالها وألوانها، فالمستعمرون، بكافة مسمياتهم وأوصافهم، هم المستفيدون من الخطاب الذي يشرذم ويفكك ويفرق الإنسان عن أخيه الإنسان. إنها سياسة "فرّق تسد"، التي يجب مواجهتها بالخطاب الذي يوحد، وبالكلمة الصادقة التي تقرب الإنسان من أخيه الإنسان. فكلنا يجب أن نكون موحدين في دفاعنا عن قيم السلام، وفي دفاعنا عن الإنسان المظلوم، وفي سعينا من اجل تحقيق العدالة المغيبة في هذه الديار.

المطران عطا الله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس

القدس, 27 حزيران 2026

تعليقات