انتفاضة بهمن حين انتقل الشارع من الهتاف إلى صناعة الدولة/ بقلم ريما فارس
انتفاضة بهمن حين انتقل الشارع من الهتاف إلى صناعة الدولة/ بقلم ريما فارس
لم يكن شتاء عام 1979 عابرًا في تاريخ إيران. في بهمن من ذلك العام، لم تعد الساحات مجرّد مساحات احتجاج، بل تحوّلت إلى ميدان تقرير مصير. تراكمٌ طويل من الغضب الشعبي، والاحتقان السياسي، والقطيعة بين السلطة والمجتمع، بلغ ذروته في أيام قليلة غيّرت وجه المنطقة.على امتداد عام 1978، اشتعلت المدن الإيرانية بموجات احتجاج متتابعة، بدأت من قم وامتدّت إلى تبريز وسائر المحافظات. كانت كل “أربعينية” تسقط فيها دماء، تتحوّل إلى موعد جديد مع الشارع. ومع انسداد الأفق السياسي في عهد محمد رضا شاه بهلوي، بدا أن المسار يتجه نحو مواجهة مفتوحة بين حكمٍ يتمسّك بشرعيته بالقوة، وشعبٍ يبحث عن شرعية جديدة.
ومع مطلع بهمن 1357هـ.ش (فبراير 1979)، عاد الإمام روح الله الخميني إلى طهران، في استقبال جماهيري هائل حمل دلالة رمزية وسياسية عميقة. لم تكن العودة حدثًا بروتوكوليًا، بل إعلانًا بأن زمن المنفى انتهى، وأن معادلة السلطة بدأت تتبدّل.
غير أن الحسم جاء في 22 بهمن 1357، الموافق 11 فبراير 1979. في ذلك اليوم، انهارت آخر ركائز النظام الملكي، وسقطت الحكومة الموالية للشاه، وتهاوت مؤسسات الحكم تباعًا تحت ضغط الشارع المنتفض. لم يكن الأمر مجرّد تغيير في رأس السلطة، بل انهيار منظومة بكاملها. الشارع الذي هتف شهورًا، صار هو الفاعل المباشر في صياغة المشهد. والسلطة التي بدت راسخة لعقود، تبيّن أنها أضعف من إرادة مجتمعٍ موحّد حول هدف التغيير.
هنا، اكتمل معنى انتفاضة بهمن. لم تعد احتجاجًا موسميًا، بل تحوّلت إلى لحظة تأسيس. بعد أسابيع قليلة، صوّت الإيرانيون في استفتاء شعبي لإقامة الجمهورية الإسلامية، ليبدأ مسار دستوري جديد أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والدين، وبين الداخل والخارج.
بهمن لم يكن شهرًا عاديًا في الذاكرة الإيرانية؛ كان عنوانًا لتحوّل جذري. فيه انتقل الشارع من الهتاف إلى صناعة الدولة، ومن كسر حاجز الخوف إلى كسر بنية حكمٍ امتدّ عقودًا. وبين مؤيدٍ يرى فيه ثورة استقلال وسيادة، ومعارضٍ يعدّه قطيعة حادّة مع مسار سابق، يبقى 22 بهمن علامة فارقة: يومًا أعلن فيه التاريخ أن الشعوب، حين تتراكم إرادتها، تستطيع أن تعيد كتابة مصيرها.
ريما فارس

تعليقات
إرسال تعليق
* عزيزي القارئ *
لقد قمنا بتحديث نظام التعليقات على موقعنا، ونأمل أن ينال إعجابكم. لكتابة التعليقات يجب أولا التسجيل عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي أو عن طريق خدمة البريد الإلكتروني...
رئيس التحرير د:حسن نعيم إبراهيم.